العِشرة التي لا تُكتب بالحبر… بل تحفظها القلوب

العِشرة التي لا تُكتب بالحبر… بل تحفظها القلوب
بقلم _محمد أبوحلاوه
بعض العلاقات في الحياة لا تُختصر في كلمات، ولا تُكتب بمقالات، لأنها ببساطة أعمق من أن توصف.
هي علاقات صنعتها الأيام، وحفظتها المواقف، ورسّختها العِشرة والمعروف.
ومن بين تلك العلاقات، يظل الدكتور إبراهيم عزازي واحدًا من هؤلاء الذين تعلمنا منهم أن القلوب الكبيرة لا تقف عند صغائر الأمور.
رجلٌ كلما اقتربت منه أدركت أن سعة الصدر ليست صفة عابرة، بل طبيعة راسخة فيه؛ قلبٌ يتسع للجميع، وعقلٌ يعرف أن الخلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية.
كم من مرة جمعتنا مائدة الإفطار، وكانت تلك اللحظات أبسط مما تبدو، لكنها أعمق في معناها.
وحين لبيت الدعوة، لم تكن استجابةً لدعوة صديق رجل له مكانة كبيرة في النفس فحسب، بل كنت أشعر أنها أقرب إلى طاعة الابن منها إلى مجرد قبول دعوة.
ذلك النوع من الاحترام الذي لا يُقال كثيرًا بالكلمات، لكنه يظهر بوضوح في الأفعال.
وللأمانة أقولها من القلب:
بعد أن تركت العمل، لم أقصده يومًا في أمرٍ إلا وكأنه مجاب قبل أن يُقال، وكأن العلاقة بيننا تجاوزت حدود السؤال والجواب، إلى مساحة أوسع من التقدير والوفاء.
وعلى الجانب الآخر، هناك شخصية أرى أن الإنصاف يقتضي أن تُذكر كما عرفتها… الإعلامية أمل صبحي.
ولمن لا يعرفها عن قرب، فأنا أشهد لها شهادة حق، عشتها بنفسي عندما كنت مديرًا عامًا لنادي العاصمة الثانية وموقعها الذي يحمل نفس الاسم.
في تلك الفترة، رأيت فيها نموذجًا نادرًا من الإنصاف؛
فلم أرها يومًا تميل في حكم أو موقف، حتى في المواقف التي قد يختلط فيها القلب بالعاطفة.
بل شهدت لها موقفًا سيظل في ذاكرتي: حين كانت تفصل في أمر بيني وبين فلذة كبدها، لم تمِل يومًا إلا للحق وحده.
وهنا تدرك أن بعض الناس لا تُعرَف قيمتهم في الكلمات، بل في المواقف التي تكشف معدنهم الحقيقي.
الحقيقة أن العلاقات التي تُبنى على العِشرة والمعروف لا تتأثر باختلاف وجهات النظر، لأن جذورها أعمق من أي لحظة عابرة.
فالخلاف قد يحدث، وهذا طبيعي بين البشر، لكن القلوب الكبيرة تعرف دائمًا كيف تبقى أكبر من التفاصيل.
لذلك أكتب هذه الكلمات لا بالحبر، بل بذاكرة المواقف، وصدق العِشرة، ومعروفٍ لا يُنسى.
فمهما حدث… ومهما اختلفت الرؤى أحيانًا، تبقى المحبة قائمة، ويبقى التقدير ثابتًا، لأن ما بيننا لم تصنعه لحظة… بل صنعته سنوات من الود والوفاء.
وهكذا تبقى الحقيقة البسيطة:
الكبار لا يُعرَفون بما يقولون فقط، بل بما يتركونه في القلوب…
والعِشرة الصادقة لا تكتب بالحبر، بل تحفظها القلوب إلى الأبد.





