حين يُؤسَر الإنسان… بين شريعة القوة وقوة الشريعة

حين يُؤسَر الإنسان… بين شريعة القوة وقوة الشريعة
كتب أشرف ماهر ضلع
في لحظات الحرب، حين تتكسر القيم تحت أقدام السلاح، يظهر السؤال الأكثر قسوة: ماذا يحدث للإنسان حين يقع أسيرًا؟
هل يتحول إلى غنيمةٍ في يد المنتصر، أم يظل إنسانًا له حق الحياة والكرامة؟
التاريخ، إذا ما قلبنا صفحاته، لا يقدّم إجابة واحدة، بل يعرض مشاهد متناقضة؛ ففي زمن جنكيز خان وجيوشه، كان الأسير أحيانًا مجرد رقم في معادلة الرعب، تُمحى حياته لتُرسم هيبة المنتصر. وفي مشاهد أخرى من الحروب الصليبية، رأى العالم كيف يمكن أن يتحول النصر إلى مذبحة، حين غابت الضوابط وغلب الانتقام.
لكن الصورة لم تكن دائمًا بهذا السواد.
حين دخل صلاح الدين الأيوبي القدس، لم يجعل من النصر مناسبة للانتقام، بل قدّم نموذجًا مختلفًا؛ حيث فُتح باب الفداء والعفو، وكأن التاريخ نفسه أراد أن يقول: ليس كل انتصارٍ يحتاج إلى دمٍ ليُثبت نفسه.
وفي العصر الحديث، ورغم كل ما وصلت إليه البشرية من قوانين، شهدت الحرب العالمية الثانية نماذج مرعبة لانتهاك إنسانية الأسرى، لتؤكد أن التقدم العلمي لا يعني بالضرورة تقدمًا أخلاقيًا.
وهنا يبرز المنظور الإسلامي كحالةٍ مميزة في ضبط هذا الملف.
فالأسير في الإسلام ليس هدفًا للقتل، بل حالة إنسانية لها خيارات: عفو، أو فداء، أو إطلاق.
وقد تجلى ذلك في سيرة النبي ﷺ، حيث لم يكن الأسير نهاية معركة، بل بداية اختبارٍ للأخلاق.
إن الفرق الحقيقي بين الأمم لا يُقاس فقط بما تملكه من قوة، بل بكيفية استخدامها لهذه القوة.
فالقوة التي لا تضبطها القيم تتحول إلى فوضى،
أما القيم التي تسندها القوة فتصنع حضارة.
واليوم، ومع وجود قوانين مثل اتفاقيات جنيف، أصبح العالم يتفق – نظريًا على الأقل – أن الأسير يجب أن يُعامل بكرامة. لكن الواقع لا يزال يثبت أن النصوص وحدها لا تكفي، ما لم تجد من يترجمها إلى سلوك.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نتعلم من التاريخ… أم نعيد أخطاءه بأسماء جديدة؟
فبين شريعة القوة… وقوة الشريعة،
يتحدد مصير الإنسان،
حتى وهو في أضعف حالاته… أسيرًا.




