مقالات

معرفة خطورة الكفران بالنعم

معرفة خطورة الكفران بالنعم

بقلم / محمـــد الدكـــروري

اعلموا يا عباد الله أنه ينبغي علينا أن نستفيد من معرفة خطورة كفران النعم، وتسببها في نزول العقوبات، وأن اجتراح السيئات سبب للخسف والزلازل لأن الخسف عُلق بمكر السيئات، ومكر السيئات هو مقارفتها، والمكر فيه تحايل، فيدخل في ذلك التحايل على الشريعة لإسقاطها، أو لإباحة المحرم منها، أو الالتفاف على نصوصها بتحريف معانيها وتأويلها لإرضاء البشر، وقد انتشر هذا البلاء في هذا الزمن، فلا عجب أن تتنوع فيه العقوبات، وأن تتابع النذر والآيات، فالكوارث في زمننا هذا يُنسي بعضها بعضا من كثرتها، فيقول الله عز وجل في سورة النحل ” أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الارض” فإنه تهديد عظيم بالخسف والزلزلة في سورة النعم، إذ كيف ينعم الله تعالى على عباده بالنعم الكثيرة التي عددها في هذه السورة وهي سورة النحل، ثم يكفرونها وفيها رد على أهل الجهل والهوى.

الذين يرفضون تعليق آيات التخويف والعذاب بالمعاصي والموبقات، زاعمين أنها أسباب كونية اعتيادية، ويفسرنها تفسيرات مادية، فما عساهم أن يفعلوا بآيتي النحل في الخسف والزلزلة، وقد عُلق فيهما الخسف والزلزلة بمكر السيئات؟ وإن المقصر في جنب الله تمر عليه ساعات أيامه وهو في لهو وغفلة، يُسوف التوبة ويأمل في مزيد من العمر، وما علم أن الموت يأتي بغتة، وإذا جاء لا يدع صاحبه يستدرك ما فاته، فيبقى في قبره مرتهنا بعمله، متحسرا على ما فاته، ومتمنيا على الله أمانيّ لا تغنيه شيئا، فماذا عسى أن يتمنى المقصر إذا أصبح في عداد الموتى ولا حول ولا قوة إلا بالله؟ فيتمنى الميت المقصر لو تعاد له الحياة، ليصلي ولو ركعتين اثنتين فقط، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبر فقال “من صاحب هذا القبر؟” فقالوا فلان، فقال “ركعتان أحب إلى هذا من بقية دنياكم”

وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم ” ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتنفلون، يزيدها هذا في عمله، أحب إليه من بقية دنياكم” فإن غاية أمنية الميت المقصر، أن يُمدّ له في أجله، ليركع ركعتين يزيد فيها من حسناته، وليتدارك ما فات من أيام عمره في غير طاعة، ألم تسمع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول لنا معشر الأحياء “الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليكثر؟” ولقد عاين ذلك الميت وهو في قبره ثواب الصلاة، ورأى بأم عينه فائدة الصلاة، فتأسف أشد الأسف على أيام أمضاها في غير طاعة، على ساعات مضت في لهو وغفلة، لم يجني منها الآن سوى الحسرة والندامة، وهذا هو الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي اشترى الجنة ثلاث مرات، فيروى أنه كان يختم القرآن كل ليلة فأين نحن منه؟ وهاهو النبي الكريم صلي الله عليه وسلم ذات يوم بين أصحابه.

وفيهم رجل كبير قد جاوز الستين من العمر، وقد اشتغل رأسه شيبا، إنه الصديق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه “من أصبح منكم اليوم صائما؟ فقال أبو بكر أنا يا رسول الله، فقال من أطعم اليوم منكم مسكينا؟ فقال أبو بكر أنا يا رسول الله، فقال من عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر أنا يا رسول الله، ثم قال من اتبع اليوم منكم جنازة؟ قال أبو بكر أنا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده ما اجتمعن في مؤمن إلا وجبت له الجنة” ولو زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم لزاد أبو بكر، فإنه أبو بكر الصديق الذي عندما سمع أن للجنة ثمانية أبواب، ما رضي أن يدعى من باب أو بابين، ما رضي إلا أن يدعى من ثمانية أبواب، فإياكم وعذاب الله عز وجل، فقد كان من أولئك المعذبين هم قوم نبي الله لوط عليه السلام، ولقد قص الله تعالى قصتهم في تسع سور من القرآن الكريم.

وذكر الله تعالى فيها شركهم ومنكرهم الذي أحدثوه في البشر، فوصفهم الله عز وجل بالإسراف لأنهم أسرفوا على أنفسهم بالشرك، وأسرفوا عليها بالفواحش، وأسرفوا بإعلانها وإظهارها على الملأ، وأجرموا في حق البشرية حين سنوا فيهم اكتفاء الرجال بالرجال، والعزوف عن النساء، فوصفهم الله تعالي بأنهم قوم عادون لأنهم تعدوا المشروع لهم إلى غير المشروع، وتركوا الحسن وركبوا القبيح، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وكما وصفهم الله عز وجل بالإجرام، فنالهم من العذاب أشده، وأصابهم من العقوبة أفظعها وأنكاها جزاء لهم على كفرهم بالله عز وجل وتكذيبهم رسله، وتمردهم على شريعته، وانتكاس فطرتهم، وتلويث البشرية بأقبح الفواحش والمنكرات التي سنوها فيهم.

زر الذهاب إلى الأعلى