مقالات
محمد سمير النجار يكتب : ترشيد الاستهلاك .. أمرٌ إلهي وضرورةٌ حتمية

في عالمٍ تتسارع فيه الأزمات الاقتصادية، وتتزايد فيه التحديات البي موديلئية، أصبح ترشيد الاستهلاك ضرورةً لا يمكن تجاهلها، ليس فقط من منظور اقتصادي أو تنموي، بل أيضًا كقيمة دينية وأخلاقية أصيلة دعا إليها الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا.
لقد وضع الدين الإسلامي منهجًا متوازنًا في التعامل مع الموارد، يقوم على الاعتدال والبعد عن الإسراف، فقال الله تعالى في سورة الأعراف الآية (31):
> “يَـٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوٓا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ”
وكذلك قوله تعالى في سورة الإسراء الآية (27):
> “إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا۟ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًا”
ولا يقتصر الأمر هنا على الطعام والشراب فقط، بل يمتد ليشمل كل صور الاستهلاك في حياتنا اليومية، من المياه والطاقة إلى الموارد الطبيعية المختلفة. فالإسراف ليس مجرد سلوك فردي خاطئ، بل هو استنزافٌ للموارد وإضرارٌ بالمجتمع والأجيال القادمة.
وفي وقتنا الحالي، ومع ما يشهده العالم من اضطرابات وحروب وأزمات في سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، أصبح ترشيد الاستهلاك مسؤوليةً وطنية ومجتمعية. فالدول التي تدير مواردها بكفاءة تكون أكثر قدرةً على مواجهة الأزمات وتحقيق الاستقرار.
وترشيد الاستهلاك لا يعني الحرمان أو التقشف، بل يعني الاستخدام الواعي والمسؤول للموارد. فإطفاء الأجهزة غير المستخدمة، وترشيد استهلاك الكهرباء والمياه، وتقليل الهدر الغذائي، كلها ممارسات بسيطة، لكنها تُحدث أثرًا كبيرًا عندما تتحول إلى ثقافة عامة.
وفي مجال الطاقة تحديدًا، يمثل ترشيد الاستهلاك أحد أهم الحلول لمواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية. فكل كيلووات-ساعة يتم توفيرها يعني تقليلًا في استهلاك الوقود، وخفضًا للانبعاثات، وتخفيفًا للضغط على شبكات الطاقة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الوطني.
إن بناء ثقافة الترشيد يبدأ من الفرد والأسرة، ثم يمتد إلى المؤسسات والمصانع والمدارس والجامعات. فالمجتمعات الواعية هي التي تدرك أن الحفاظ على الموارد ليس خيارًا مؤقتًا، بل أسلوب حياة يعبر عن المسؤولية والانتماء.
ختامًا، فإن ترشيد الاستهلاك ليس مجرد سلوك حضاري، بل هو التزام ديني وضرورة حتمية تفرضها تحديات العصر. وبين تعاليم الدين ومتطلبات الواقع، تبقى الرسالة واحدة:
أن نحسن استخدام النعم، قبل أن تتحول الوفرة إلى ندرة.





