مقالات

حين ينتهي العيد… ويعود كلُّ شيءٍ كما كان محمود سعيدبرغش

حين ينتهي العيد… ويعود كلُّ شيءٍ كما كان محمود سعيدبرغش

حين ينتهي العيد… ويعود كلُّ شيءٍ كما كان

محمود سعيدبرغش

 

 

ينتهي العيد… تنفضُّ المجالس، وتخفت الضحكات التي ملأت البيوت دفئًا، وتعود الأبواب إلى صمتها المعتاد، ثم يمضي كلُّ واحدٍ إلى عالمه الصغير؛ إلى مسؤولياته الثقيلة، وانشغالاته التي لا تنتهي، وروتين أيامه الذي ينتظر عودته كأن شيئًا لم يكن.

 

في أيام العيد، تبدو الحياة أقل قسوة…

تجتمع الوجوه التي فرّقتها المسافات، وتتجمع القلوب – ولو مؤقتًا – مع ضجيج الحياة ومشكلاتها.

تُفتح البيوت، وتُمدُّ الأيدي بالمصافحة، وتعود الكلمات القديمة لتتنفس من جديد: كيف حالك؟ افتقدناك… تعالَ اجلس قليلًا.

 

لكن ما إن تمضي الأيام القليلة، حتى ينكشف الواقع من جديد.

 

يعود الموظف إلى عمله وهمومه، والأب إلى أعبائه، والأم إلى دوامة مسؤولياتها، والشاب إلى قلق المستقبل، ويعود الجميع إلى سباق الحياة الطويل… وكأن تلك اللحظات الجميلة لم تكن سوى استراحة قصيرة على طريقٍ مُتعب.

 

أحيانًا، لا يكون الحزن على انتهاء العيد نفسه، بل على انتهاء ذلك الشعور النادر بالانتماء والدفء الإنساني؛ الشعور بأن الإنسان ما زال يجد من يسأل عنه، ومن يفرح بوجوده، ومن يقتطع من زحام أيامه ساعةً ليقول له: أنت لست وحدك.

 

وكأن صلة الأرحام – في زمن السرعة والانشغال – أصبحت هدنة قصيرة من قسوة الحياة…

 

وهنا يبرز السؤال المؤلم:

هل نحن حقًا عاجزون عن الحفاظ على هذا القرب الإنساني بعد انتهاء المناسبات؟

أم أننا اعتدنا أن نحصر المودة في مواسم محددة، ثم نؤجل المشاعر إلى عيدٍ جديد؟

 

ربما لا يحتاج الأمر إلى عيدٍ دائم…

بل إلى قلوب تتذكر، ورسالة اطمئنان بلا مناسبة، ومكالمة قصيرة بلا سبب، وسؤال صادق لا ينتظر موسمًا أو موعدًا.

 

فالروابط الإنسانية لا يجب أن تعيش أيامًا معدودة، ثم ترحل بانتهاء العيد…

 

لأن الحياة – مهما اشتدت قسوتها – تصبح أخفّ قليلًا حين نجد من يشاركنا عبء الطريق.

زر الذهاب إلى الأعلى