أدب وثقافةالدين و الحياة

العرافة والكهانة بين الحقيقة والوهم

العرافة والكهانة بين الحقيقة والوهم

بقلم: عبد الحميد أحمد حمودة
منذ فجر التاريخ، سعى الإنسان إلى معرفة ما يجهله، وحاول كشف حجب المستقبل وأسرار الغيب. ومن هذا الميل الفطري نشأت ظواهر العرافة والكهانة، وانتشرت بين الأمم والشعوب بأسماء وصور متعددة، حتى أصبحت لدى البعض مصدرًا للمعرفة، ولدى آخرين بابًا للخوف والقلق والتعلق بالأوهام.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يملك العراف أو الكاهن حقًا معرفة الغيب؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون خليطًا من الظنون والتخمينات والخداع؟
العرافة هي ادعاء معرفة الأمور الخفية أو المجهولة بوسائل مختلفة، كقراءة الكف والأبراج والودع وغيرها من الممارسات التي لا تقوم على دليل علمي أو شرعي. أما الكهانة فهي ادعاء معرفة الأخبار الغائبة أو المستقبلية، وغالبًا ما ارتبطت قديمًا بالاستعانة بالشياطين والجن.
وقد عرف العرب الكهان قبل الإسلام، فكانوا يقصدونهم لمعرفة مصير الحروب والأسفار والأحداث القادمة، وكان بعض الناس يعتقدون أن للكاهن قدرة خاصة على الاطلاع على الأسرار والخفايا.
جاء الإسلام ليضع حدًا لهذه التصورات، ويقرر حقيقة كبرى وهي أن علم الغيب المطلق لله وحده، قال تعالى:
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾
(النمل: 65).
وقال سبحانه:
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾
(الأنعام: 59).
فهاتان الآيتان تقطعان الطريق على كل من يدعي امتلاك مفاتيح الغيب أو القدرة على معرفة المستقبل على وجه اليقين.
وقد يختلط الأمر على البعض حين يسمعون أن بعض الكهان أو العرافين تصدق لهم كلمة أو توقع. والحقيقة أن وقوع بعض التوقعات لا يعني امتلاك علم الغيب، فالتخمين والاحتمالات وتحليل سلوك الأشخاص قد يؤدي أحيانًا إلى إصابة جزئية، كما أن الشياطين كانت تسترق بعض الأخبار قبل بعثة النبي ﷺ ثم تخلط معها الأكاذيب.
وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله تعالى:
﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾
(الجن: 9).
وقال سبحانه:
﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾
(الحجر: 18).
ولهذا حذر النبي ﷺ من الذهاب إلى العرافين والكهان، فقال:
«من أتى عرّافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة».
(رواه مسلم).
وقال ﷺ:
«من أتى كاهنًا أو عرّافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ».
(رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه جمع من أهل العلم).
إن خطورة العرافة والكهانة لا تكمن فقط في الادعاء الكاذب لمعرفة الغيب، بل في تعلق القلوب بغير الله، وتحويل حياة الإنسان إلى سلسلة من المخاوف والتوقعات والانتظار. فكم من شخص غيّر قرارات مصيرية بسبب كلمة عراف، أو عاش قلقًا طويلًا بسبب نبوءة لا أصل لها.
وفي عصرنا الحديث لم تختفِ الكهانة، بل ارتدت ثوبًا جديدًا. فظهرت برامج الأبراج، وقراءات الطاقة، والتنبؤات المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح بعض الناس يتابعونها يوميًا وكأنها حقائق ثابتة، رغم أنها لا تستند إلى علم أو دليل.
إن الإسلام لا يمنع الإنسان من التخطيط للمستقبل أو دراسة الاحتمالات أو الاستفادة من العلوم والخبرات، لكنه يرفض تحويل الظنون إلى يقين، ويرفض ادعاء معرفة ما استأثر الله بعلمه.
والحقيقة التي ينبغي أن يدركها كل باحث عن المعرفة هي أن الغيب باب أغلقه الله عن البشر، وما أذن لهم بمعرفته جاء عن طريق الوحي الصادق. أما ما سوى ذلك من ادعاءات العرافين والكهان، فبين وهم وخداع وتخمين لا يملك صاحبه برهانًا.
وفي زمن تتسارع فيه الشائعات وتنتشر الخرافات، تبقى المعرفة الصحيحة والعقل الواعي والرجوع إلى النصوص الشرعية الموثوقة هي الطريق الأمثل للتمييز بين الحقيقة والوهم.
فليس كل ما يُقال يُصدق، وليس كل من ادعى معرفة الغيب يملكها، ويبقى اليقين الثابت أن علم الغيب لله وحده، وأن الإنسان لا يملك إلا أن يأخذ بالأسباب، ويتوكل على ربه، ويوقن أن المستقبل بيد الله لا بيد العرافين والكهان.

زر الذهاب إلى الأعلى