بين مغزل الأمل وصناعة الأثر: رحلة امرأة تجابه الجمود بالتطوير المستدام
بين مغزل الأمل وصناعة الأثر: رحلة امرأة تجابه الجمود بالتطوير المستدام

بين مغزل الأمل وصناعة الأثر: رحلة امرأة تجابه الجمود بالتطوير المستدام
كتب: ا.د. شيرين أبووردة
في قديم الزمان، كان هناك وادٍ سحيق كُتب على نسائه البقاء في الكهوف لحراسة النار دون مشاركة في إدارة شؤونه، كانت قوانينه تُنحت على صخور صلبة لا تتغير . في ذلك الوادي، عاشت امرأة تُدعى “أمل”، تملك بصيرة نافذة وصبرًا يتجاوز الجبال. وعندما ضربت الوادي عاصفة ثلجية عجزت أمامها رماح الرجال، نظرت أمل إلى خيوط مبعثرة، وغزلت من صوف الأغنام أول رداء دافئ في التاريخ؛ ولم تنسج فيه دفء الجسد فحسب، بل طرزته برموز وحكايات حركت العقول والافكار ، ليدرك الجميع أن القوة الحقيقية تكمن في حكمة النسيج وصياغة الأمل من وسط الركام والحطام ، لتجلس النساء منذ ذلك اليوم وبعد تغيير الافكار والواقع في مجلس الحكماء يصغن القوانين بمرونة وعدالة.
هذه الأسطورة كانت النبض الحقيقي لرحلتي؛ فلطالما آمنتُ بأن دوري كإمرأة هو أن أكون ذلك المغزل الإبداعي الذي يحوّل خيوط المعرفة إلى كيانات واستراتيجيات حية تبني فكر الإنسان وتطوّر جودة التعليم والبحث. لكن هذا التميز لم يُولد أبداً في ظروف سهلة، بل صِيغَ وسط معارك طاحنة من الصمود؛ فخلف كل منصب إداري وبحث علمي ومشاركات دولية كبرى وأبحاث مبتكرة نُشرت لي عالمياً، كانت هناك قصة كفاح وحروب شرسة خفية. لقد خضتُ هذه الرحلة الشاقة وتلك الحروب الضروس وأنا أحمل أقدس الأدوار؛ فكنتُ أماً وزوجةً وجدةً، ولم تكن الموازنة يوماً مجرد تنسيق بين البيت والبحث العلمي والعمل؛ بل إدارة حياة كاملة، وصناعة أجيال واعدة ، ومواجهة أعباء ثقيلة، بجانب مجابهة الحروب والقوالب الجامدة وكارهي التغيير ومدمري الحوكمة، محولةً كل تعب ومقاومة إلى طاقة تدفع دوما وأبدا للقمة.
لقد ركّزتُ جهودي على الاستحداث والابتكار والتطوير والتدويل والاستدامة وجامعات الجيل الخامس وربط مخرجات الجامعات بالإنتاج واقتصاد المعرفة، وهو المرتكز الاستراتيجي والمستقبلي الذي تنادي به الدولة اليوم.
والعصر والجميع شاهدٌ أنني سبقتُ تلك الرؤي وجسّدتُ هذا الفكر منذ سنوات طوال وتدرجتُ في مسؤولياته بإخلاص؛ مدعومةً بجهود ورعاية رؤساء وقيادات أكاديمية فذة ومستنيرة، آمنت بالابتكار وقدرة المرأة القيادية، ففتحت الأبواب وسلّحت بالثقة والدعم لتنفيذ تلك الأبحاث وتحويلها إلى كيانات ملموسة وممارسات واقعية تنتج للوطن.
لقد تجسد الأثر بتأسيس مركز الابتكار وريادة الأعمال، ومركز ضمان الجودة والاعتماد، والتنسيق الرسمي لمخرجات التعلم بالمبادرات الدولية. وتتويجاً لهذه المسيرة الراسخة، توليتُ عمادة كلية التجارة، ومن رحم مسؤوليتها، قدمنا التغيير الرقمي بتأسيس وإطلاق منظومة رباعية ريادية فريدة شملت: البنك الرقمي، والبورصة الرقمية، ومركز الأعمال الرقمية المستدامة، ومركز التكنولوجيا المالية (Fintech). وامتدت هذه الأمانة الاكاديمية والتنموية خارج الجامعة لتشمل المشاركات الفعّالة بالجامعات الحكومية والخاصة والدولية والأهلية والمعاهد الخاصة والمشاركة بلجان التقييم ومراجعة مؤسسات التعليم العالي، ولجنة ترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين واللجنة الفنية لتقييم الاستثمارات والأصول الاقتصادية، وصولاً إلى شرف خدمة قضايا المرأة عبر عضوية المجلس القومي للمرأة. تلك كانت محطات محدودة من الكثير من محطات خدمة هذا الوطن الغالي.
وفي الختام، أدركُ يقيناً أن الخيط الذي يربط بين “أمل” الأسطورة وبين “شيرين” الحقيقة ليس مجرد اسم ؛ فكلانا واجه وادياً تحكمه القوالب الصلبة، وكلانا غزل من الرماد مستقبلاً مشرقاً. “أمل” نسجت خيوط الصوف لتحمي مجتمعها من الصقيع، وأنا نسجتُ مسيرتي العلمية والمهنية، والمراكز الرقمية المستدامة، لأحمي العقول والمؤسسات من جمود الفكر وتراجع التنافسية.
لم تكن القيادة يوماً منصباً يُنال، بل أمانة نسيج يومي نخوضها جميعا بحزم لحماية مقدرات الوطن، وبقلبي أمّ تذرع الامل وتحاوط بالحب والحنان والرعاية، لنثبت دائماً أن الأوطان تعيش بالعدالة، والاستحقاق، والفكر المبدع المستنير الذي يترك أثراً دافئاً ومستداماً يتوارثه جيلٌ بعد جيل.
حفظ الله مصر الكنانة وحفظ شعبها وقياداتها العظيمة .
ا.د. شيرين ابووردة
استاذ ادارة الاعمال والتسويق
وعميد كلية التجارة_





