الوحدة 731
بقلم : فيفيان سمير
تعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وفي أغسطس 1945، بسبب رفض رئيس الوزراء الياباني ” كانتارو سوزوكي” تنفيذ إعلان مؤتمر “بوتسدام” الذي نص على أن تستسلم اليابان استسلاما كاملا بدون أي شروط، وتجاهل المهلة التي حددها إعلان “بوتسدام”، وبموجب الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأمريكي “هاري ترومان”، قامت الولايات المتحدة بإطلاق السلاح الذري “الولد الصغير” على مدينة هيروشيما يوم الاثنين 6 أغسطس عام 1945. ثم تلاه إطلاق قنبلة “الرجل البدين” على مدينة ناجازاكي في التاسع من نفس الشهر. وكانت هذه الهجمات هي الوحيدة التي تمت باستخدام الأسلحة الذرية في تاريخ الحروب وحتى اليوم.
تعاطف العالم مع اليابان كضحية للقنبلة الذرية، وبكت الصحف هيروشيما وناجازاكي، وكُتبت آلاف الكتب التي تصف الألم الياباني، ونُصبت التماثيل للضحايا، وارتفعت الصلوات من أجلهم. أصبحت اليابان في الوعي الجماعي للعالم مثال الأمة المنكوبة التي عرفت أهوال الحرب النووية. لكن هل تساءلت يوما لماذا استحقت اليابان هذه الضربة بالذات؟ هل كانت مجرد حادث استراتيجي في خضم الحرب؟ أم كانت هناك خلفية لا أخلاقية ثقيلة وإرث من غياب الضمير يجعل هذه القنابل نتيجة طبيعية أو ربما حتى نتيجة حتمية.
دعنا نعود للوراء بضعة أعوام سابقة على كارثة القنبلة الذرية، بالتحديد عام 1936 حين أقامت الإمبراطورية اليابانية “الوحدة 731” في مدينة هاربين شمال شرق الصين. ذلك المعمل السري حيث تظاهر الجنرال الطبيب شيرو إيشي وفريقه أمام العالم بأنهم وحدة وقائية ومركز أبحاث طبي، لكنهم في السر كانوا يحولون الإنسان العادي إلى فأر تجارب في مختبر شيطاني أُطلق عليه اسم “مصنع الموت“. أكبر جريمة طبية في تاريخ البشرية، حيث تحول الطب إلى سلاح، والإنسان إلى فأر تجارب، والأطباء إلى جلادين بلا رحمة.
الوحدة 731، ذلك الاسم الرمزي الذي يخفي وراءه معسكر رعب حقيقي، كان في حقيقته وحدة أبحاث وتطوير للحرب الكيميائية والبيولوجية، فيما كانت الوحدة تسمى، تمويها لوحشيتها، “قسم منع الأوبئة وتنقية المياه” بجيش كوانتونغ. على رأسها وقف الطبيب العسكري شيرو إيشي، الذي كان واثقا أن الأسلحة البيولوجية هي مفتاح تفوق اليابان على العالم، وأن التجارب على البشر الأحياء هي السبيل الوحيد لابتكار أسلحة فتاكة غير مسبوقة، قادرة على الإبادة الجماعية بسهولة وبأقل تكلفة، خلافا للأسلحة التقليدية.
في هذا المعمل السري، الذي صمم لاستيعاب آلاف الضحايا، جُمع آلاف المدنيين الصينيين والكوريين والمنغوليين والأسرى السوفييت ليكونوا فئران تجارب في مختبر الموت. ما بين 3000 إلى 21000 شخص، من رجال ونساء وأطفال، استُخدم هؤلاء وقضوا نحبهم في واحدة من أفظع الجرائم ضد الإنسانية التي شهدها القرن العشرون. والقصة ليست مجرد أرقام، بل تفاصيل لا يمكن لأي عقل سليم أن يستوعبها.
كان الأطباء اليابانيون يحقنون الضحايا بالطاعون والكوليرا والجمرة الخبيثة، ينتظرون حتى تصبح الأجساد أوعية للعدوى، ثم يشقونها “تشريحا وهي على قيد الحياة” دون تخدير، لدراسة تطور المرض في الأعضاء الحية. كانوا يقطعون أطراف الأسرى، ويغمرونهم في أحواض ماء مثلج لساعات، لدراسة مدى تحمل البشر لقضمة الصقيع، ثم يعيدون تركيب الأطراف بالمقلوب أحيانا. كانوا يضعون الضحايا في غرف الضغط المنخفض، ويسجلون بدقة اللحظة التي تنفجر فيها صدورهم أو تخرج أعينهم من محاجرها. كل هذه الفظائع كانت تُجرى بدم بارد، وفي نهاية كل تجربة، يحرق الجيش الجثث في محارق خاصة، ويدمر الأدلة، ولا يبقى شيء سوى بعض الأعضاء في الجرار.
لم يتوقف الأمر عند معمل هاربين، فقد استخدمت اليابان هذه الأسلحة في ساحات المعارك، ففي صباح أحد أيام ربيع عام 1940، وقفت طائرة يابانية فوق بلدة نينغبو الصينية، تفتح أبوابها لتُسقط حمولتها من البراغيث حاملة طاعون الموت، وألقت بكتيريا الجمرة الخبيثة في حقول بأكملها، فقتلت مئات الآلاف من المدنيين العزل.
كل ذلك كان يجري تحت قيادة إيشي، الذي قاد غارات جوية لإسقاط هذه القنابل الملوثة بيده؛ فرأى الفلاحون أطفالهم يسقطون كالذباب، وأجسادهم تزوي في نوبات الحمى. في المستوصف الصغير، كان طبيب صيني وحيد يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، يرتجف وهو يعرف أن هذه الجرذان الميتة التي وجدوها في الحقول لم تكن من فعل الطبيعة، بل بفعل أيدي بشرية دنيئة، مما أسفر عن إصابة أكثر من 300 ألف شخص، وتدمير مساحات شاسعة من الأراضي والمحاصيل. بعد أيام، سقط الطبيب نفسه، وقف القرويون حول جسده الهامد دون أن يدروا ماذا يفعلون. واحد منهم همس بالدعاء وكرره عشرات المرات، مرددا: “لعل الله يعاقبهم على ما يفعلون بنا”. وبينما كانت أوروبا تبحث عن مجرمي الحرب لتقديمهم للمحاكمة، كان هذا الجلاد الآسيوي يتمتع بنوم هادئ، ويخطط لتجارب أكثر فتكا، بعد أن ضمن أن لا أحد سيقبض عليه.
عندما انتهت الحرب عام 1945، وأعلنت اليابان استسلامها، لم يندم الجيش على ما فعل، بل حاول إخفاء كل شيء. أطلقوا النار على 400 أسير حي كانوا لا يزالون محتجزين في المعمل، ثم فجروا المباني والمحارق، وأحرقوا الوثائق، وأطلقوا سراح القوارض المصابة التي تسببت في وباء الطاعون في منطقة هاربين بعد الحرب، مما أودى بحياة الآلاف من المدنيين الأبرياء. وجاءت التقديرات أن عدد ضحايا الحرب البيولوجية اليابانية في الصين وحدها قد تخطى أكثر من سبعمائة ألف.
كان العالم يتوقع أن يقدم كل مجرم إلى العدالة، لكن القدر تعاقد مع السياسة بطريقة بشعة. فبدلا من المحاكمة، قامت الولايات المتحدة بصفقة صامتة مع شيرو إيشي، حيث أُعطي الرجل وكل مساعديه حصانة تامة من الملاحقة القضائية، مقابل تسليم مذكراتهم وتقاريرهم السرية التي توثق تجاربهم المروعة. فتحت أمريكا ذراعيها لهؤلاء القتلة، سمحت لهم بالعمل كمستشارين في برامجها للأسلحة البيولوجية، وأبقت ملفاتهم مغلقة لعقود. هكذا غادر إيشي هاربين إلى اليابان، عاش حياته مرفها، لم يدخل السجن يوما واحدا، ومات في فراشه عام 1959، فيما عشرات الآلاف من الصينيين الذين شوههم بيديه كانوا قد دفنوا في مقابر جماعية دون شهود أو توثيق.
وهنا يأتي السؤال الهام، هل يمكن لسفاح أن يفلت من العقاب؟ بعد أن حصل إيشي وجنوده على حصانة أمريكية وانغمسوا في العالم دون رادع، أتت الضربة من حيث لا يحتسبون. ففي صباح السادس من أغسطس عام 1945، انفجرت القنبلة الذرية الأولى فوق هيروشيما، وقتلت ما يقارب 140,000 شخص بحلول نهاية العام. وبعد ثلاثة أيام، تلتها قنبلة ناجازاكي، لتزهق أرواح 74,000 آخرين. لقد طالت العقوبة شعبا بأكمله، وحولت مدينتين يابانيتين إلى رماد. تخيل أن هؤلاء القتلى، الذين لا ننكر أن بينهم أطفالا ونساء ومرضى وعجائز، قد يكونون هم أنفسهم من كانوا قبل سنوات يساندون آلة الحرب الإمبراطورية، أو يصمتون على جرائمها. لكن هل كانت رحلة الموت هذه كافية لردع الطغيان؟ ربما كانت رسالة كونية مفادها أن الإفلات من القضاء الأرضي لا يعني الإفلات من حساب القدر.
اليوم، وبعد ثمانية عقود، في الصين ما زالت هذه الجروح غائرة. في هاربين، تتحدث الأجيال الشابة عن وحشية جنود الاحتلال، وتستمع إلى شهادات الناجين القلائل، كما يقف متحف الوحدة 731 شاهدا على الفظائع، معروضات من الجرار والعظام والوثائق التي تروي القصة غير المكتملة لضحايا لم يحفظ التاريخ من بين آلاف سوى ثمانية أسماء فقط، ولم تعترف اليابان رسميا بهذه الجرائم إلا بعد نحو 40 عاما، عام 1984، وكان الاعتراف قاصرا ولا يحمل من الندم شيئا.
في عام 2005، جاء عضو سابق بالوحدة، يدعى هيديو شيميزو، ليرى المكان بعد عقود من الصمت، واعترف أمام الكاميرات أن آلاف الصينيين قتلوا في تلك التجارب، وأنه كان يعتبرهم “حطبا” وليس بشرا، وخرج من المتحف وهو يبكي للمرة الأولى في حياته. هذا الاعتراف المتأخر هو بمثابة رماد يغطي جرحا لم يلتئم. أما في اليابان، فالنقاش لا يزال شحيحا حول مسؤولية الوحدة 731، فكثير من اليابانيين، خصوصا الأجيال الجديدة، لا يعرفون شيئا عنها، أو يعرفونها كمجرد “وحدة طبية” غامضة.
لكن كيف سمح ضمير العالم لإحدى أبشع الجرائم الجماعية في التاريخ بأن تمر دون عقاب؟ وكيف يمكن للمجتمع الدولي أن ينام ملء جفونه بعد كل هذا الظلم؟.
الوحدة 731 ليست مجرد حلقة في تاريخ الحرب، بل هي ناقوس يعلن أن غياب الضمير الأخلاقي في قلوب البشر قد يحول أرقى مهنة إنسانية إلى أداة إبادة جماعية. إنها درس قاسٍ بأن الإنسان عندما يخلع ثيابه الأخلاقية، قد يصير أكثر وحشية من وحوش الغابات. وعلينا أن نتذكر الضحايا الصامتين الذين لم يكن لهم صوت في التاريخ، إلا أزيز المدخنة الأسود الذي حمل رمادهم إلى الفضاء وأرسل أرواحهم إلى السماء.
في النهاية تظل حقيقة أن القدر لا ينسى. في حين ظن القتلة أنهم سينجون بصفقاتهم، جاءتهم الضربة من السماء بقوة لا قبل لأحد بها. وحين ظن العالم أن العدالة قد غابت، ها هي الذاكرة التاريخية تعيد تشكيل نفسها. صحيح أن إيشي مات في سريره، لكن مدينتي هيروشيما وناجازاكي دفعتا ثمن أفعاله. هذا لا يعتبر تبريرا لجريمة القنبلة الذرية، إذ لا يمكن تبرير قتل المدنيين بأي ذريعة كانت. لكنه ربما يمثل معادلة كونية خفية، من قتل الأبرياء عمدا، بقيت دماءهم عليه وعلى أولاده وربما على وطن بأكمله، حيث كان العقاب موجها ضد إمبراطورية بأكملها، آمنت بتفوق عرقها، واستباحت دماء جيرانها باسم العلم والتقدم.
وهكذا، بين ظلم الوحدة 731 وزلزال القنبلتين الذريتين، تُغلق الدائرة ويكتمل المشهد الذي بدأ بالوحشية وانتهي بمأساة، ويبقى السؤال: “هل استفاد العالم من هذا الدرس؟ أم أنه ما زال يكرر نفس الأخطاء بأسماء جديدة؟”





