لماذا اختلف البشر في الأخلاق رغم تشابه مصدر الغذاءِ؟
لماذا اختلف البشر في الأخلاق رغم تشابه مصدر الغذاءِ؟
بقلم: جمال القاضي
ربما يسأل البعضُ قائلًا: لِمَ اختلف البشرُ في أخلاقِهم وألوانِهم وطباعِهم وبنيانِهم وقوةِ أجسادِهم رغم أنهم خُلقوا جميعًا من أصلٍ واحدٍ وهو الطينُ؟
نعلم جميعًا أن أصلَ خلقِ الإنسانِ كان من الطينِ، ورغم ذلك فإننا نرى اختلافًا واضحًا في قوةِ الجسدِ وطبيعةِ الأخلاقِ وكذلك ألوانِ البشرِ، لكن لماذا كان هذا الاختلافُ في البشرِ؟ فإننا نرى شخصًا أسودَ البشرةِ وغيرَه أبيضَ، وهناك شخصٌ نراه طويلَ القامةِ وآخرُ قصيرًا، وهناك من نراه ذا طباعٍ هادئةٍ ومقبولةٍ ووجهُه بشوشٌ، وغيرُه عبوسُ الوجهِ غيرُ مقبولٍ وذو طباعٍ شرسةٍ، وهناك من البشرِ من نراه يتمتع ويوصف على أنه شخصٌ ذو خلقٍ راقٍ، وغيرُه يصفُه الغيرُ على أنه شخصٌ سيئُ الأخلاقِ.
وللتوضيحِ فإننا حينَ المقارنةِ ما بين أشخاصٍ يعيشون في أماكنَ مختلفةٍ لكن اختلفت أنواعُ التربةِ التي كانت مصدرًا لغذائِهم، فإننا سنرى حينئذٍ أن هناك علاقةً وثيقةً ما بين قوةِ أجسادِ الأشخاصِ فيما بينهم نتيجةَ اختلافِ الموقعِ والمنطقةِ والتربةِ التي يعيشون فيها لاختلافِ نسبِ تركيبِ مكوناتِها، فهذا الزرعُ الذي يُعتبر غذاءً للإنسانِ بطريقٍ مباشرٍ نتيجةَ تناولِه النباتاتِ التي تخرج من التربةِ، أو بطريقةٍ غيرِ مباشرةٍ نتيجةَ تناولِه لحومَ الحيواناتِ والدواجنِ والأسماكِ وغيرِها من الكائناتِ التي كانت تتغذى وتعتمد في غذائِها على النباتِ، فإننا نرى الفروقَ واضحةً من حيث القوةِ أو الضعفِ البدنيِّ نتيجةَ اختلافِ خصوبةِ الأرضِ التي يعتمد الإنسانُ عليها للحصول على غذائِه.
ورغم أن هذا ليس هو السببَ الوحيدَ في الاختلافِ (رغم أنه السببُ الرئيسيُّ في اختلافِ طبيعةِ البشرِ) إلا أن هناك عواملَ إضافيةً وغيرَ أساسيةٍ، وهي الموقعُ الجغرافيُّ، وحالةُ المناخِ، والعواملُ الاقتصاديةُ، والعواملُ النفسيةُ، والعواملُ الاجتماعيةُ، وغيرُها الكثيرُ من هذه العواملِ الكثيرةِ.
ولما كان السببُ الرئيسيُّ هو اختلافُ الطينِ الذي خُلق منه الإنسانُ والذي يُعتبر مصدرًا لغذائِه طوالَ حياتِه أيضًا، فكان علينا أن نوضحَ من أين يأتي جوهرُ هذا الاختلافِ، فهذه التربةُ وإن اختلفت أنواعُها فإن جميعَها يحتوي على نفسِ التراكيبِ والمكوناتِ، حيث إننا نراها تحتوي على الحصى والرملِ الخشنِ والرملِ الناعمِ والسلتِ والطينِ والمادةِ العضويةِ، وهذه الأخيرةُ هي المسؤولةُ عن خصوبةِ وجودةِ التربةِ وتميزِها عن غيرِها من حيث الجودةِ والكفاءةِ.
ولنا أن نذكرَ أمثلةً للتوضيحِ، فكلٌّ منا يتناول طعامًا مختلفًا عن غيرِه، وليست الفائدةُ في كميةِ ما يتناولُه الشخصُ من هذا الطعامِ، لكن الفائدةَ تكمن في النوعيةِ التي تأتي بأعلى قيمةٍ غذائيةٍ لما يتناولُه، فلو تناول الشخصُ مثلًا في وجباتِه شريحةً صغيرةً من اللحمِ أو الدجاجِ أو الأسماكِ بالإضافة إلى القليلِ من الخضرواتِ والفاكهةِ وقطعةً من خبزٍ أو قليلًا من الأرزِ، ورغم عدمِ شبعِه وامتلاءِ أمعائِه، إلا أن القيمةَ الغذائيةَ في هذه الحالةِ عاليةٌ جدًا لو تمت مقارنةُ ذلك بما يتناولُه شخصٌ آخرُ قد ملأ أمعاءَه من خبزٍ فقط أو أرزٍ حتى يصلَ لمرحلةِ الشبعِ، وحينئذٍ سترى الفارقَ واضحًا.
فهذا الأولُ يتمتع بقوتِه البدنيةِ وبذكاءٍ يفوق غيرَه وقدرةٍ منه على التصرفِ، وقدرتِه على التفكيرِ، ونراه أيضًا يتمتع بحالةٍ من الراحةِ النفسيةِ، أما الآخرُ فتراه وقد أُصيب جسدُه بالعديدِ من الأمراضِ نتيجةَ ضعفِ بنيانِه وجسدِه، تراه أيضًا لا يستطيع التفكيرَ، وربما يصبح شخصًا متقلبَ الأمزجةِ، وربما قد يذهب لتناولِ المخدراتِ نظرًا لاعتقادِه أن الظروفَ دائمًا كانت تعاندُه في حياتِه.
ولهذا فإننا نرى، وبالرغم من التشابهِ في أصلِ خلقِ الإنسانِ من الطينِ، إلا أن سببَ هذا الاختلافِ لأنواعِه يرجع لاختلافِ نسبِ مكوناتِ هذا الطينِ وليس نوعيةَ تركيبِ مكوناتِه فقط، مما كان سببًا في اختلافِ طباعِ وطبيعةِ البشرِ، فهناك طينٌ ينبت الطيبَ من الطعامِ دائمًا، فتعطر جسدُ من تناولَه بما طعم من طعامٍ لينعكسَ ذلك على أخلاقِه، فنراه يتمتع بخلقٍ رفيعٍ وقلبٍ محبوبٍ ووجهٍ بشوشٍ، وهناك طينٌ آخرُ لا ينبت إلا الخبيثَ من الطعامِ، فخبث جسدُ من كان طعامُه من هذا الخبيثِ، فتراه شخصًا غيرَ مقبولٍ، شخصًا يكرهُه الناسُ، لا تألفُه القلوبُ فتبتعدُ عنه تجنبًا لشرِّه.
ومن ذلك كله نصلُ في النهايةِ إلى أن الأصلَ لو تشابه في لونِه ونوعِه فإن جوهرَ النسبِ التركيبيةِ للمكوناتِ كان وراءَ الفروقِ الشاسعةِ لما نراه من اختلافٍ بين طباعِ البشرِ، فالأجسادُ تفوحُ بما تُطعَمُ، والأرواحُ تفوحُ بما يفوحُ به الجسدُ، فهذه روحٌ خبيثةٌ لما تناول جسدُ صاحبِها من طعامٍ حرامٍ وخبيثٍ، فكانت أفعالُه كلُّها حرامًا وذريتُه تصبح هي الأخرى فاسدةً، وهذه روحٌ طيبةٌ لطيبِ طعامِ صاحبِها، فنرى كلَّ أفعالِه تجعل غيرَه يحاول أن يتقربَ منه حبًّا له، وينجب ذريةً صالحةً تفيد الناسَ وتفيد المجتمعَ.





