أدب وثقافة

حلمُ يقظةٍ وحيدٌ, بقلم: أحمد سعيد “نيجور”

 

حلمُ يقظةٍ وحيدٌ

 

بقلم: أحمد سعيد “نيجور”

ينتابني حلمُ يقظةٍ وحيدٌ منذ فترة؛ أنني أقضي آخر عمري في جزيرة، أتواصل مع الناس عن بُعد، أحكي عن يومياتي هناك، أقطع الأخشاب وأبني بيتًا خشبيًا تحيطه الخضرة من كل جانب، أنظر إلى حياتي البعيدة وكلِّ الذين مروا، أعتذر لكل الذين لم أكن على قدر المسؤولية معهم، وأسامح كل الذين لم يكونوا على قدر ما تخيلت.

أقطع خط الألم متأرجحًا على أرجوحة النوم التي صنعتها أمام البيت. رغم كل هذا البعد، يراودني التواصل؛ أن يقرأ الناس كتاباتي، لكن بأعينٍ مختلفة، يقرؤن ذاتي، وعلى عكس كل القصص التي اختفيتُ بها، أظهر للعلن، فلا أخفي دموعي ونحيبي المتواصل، أترك سخريتي الدفاعية، وأعلن السقوط بشكلٍ عادي، وأترك ذاتي العنيدة تسبح في المياه المحيطة، وحينما تتعب ألحقها، فتصبح السباحة ودودة، والغوص مليئًا بالأُنس.

على الجزيرة أستأنس بكل شخصياتي على مدار عمري، فأراني طفلًا حالمًا، أركض بلا توقف، وأترك الفخاخ بعد عقد معاهدة مع الطيور.

أُقيم سباقًا للجري مع شخصيتي المراهقة العنيدة، وعلى عكس كل المرات تُهدِّئ سرعتها لتجعلني أستطيع مجاراتها… يتحدث عن أحلامه وعن طموحه الكبير، يفرح حينما يخبرني أنه كتب أول قصة، فأخبره أن مستقبله ككاتبٍ مضمون، وأوصيه بالتريث والبطء قليلًا في الحياة. أخبره أن النظر من نافذة القطار يجعل المشهد جميلًا في سرعته، لكن الدخول إلى الغيطان وحقول القصب، والمشي داخلها، أجمل بكثير.

أما الشاب الذي كبر وأحب، فأخبره أن القصة ليست نهاية المطاف، وأن القلب الجريح سيشفى بعد حين، لكنه يُصرّ على موقفه، ويطلب مني عدم التدخل في شؤونه، فهو يريد أن يعيش حياته بطريقته لا بطريقتي الحكيمة. متنمر بالفطرة، وأعرف أنه سيفعل كل الأشياء بأسلوبه، وأنني مهما قلت له عن مفاتيح الطريق، سيترك كل شيء، وربما يترك الطريق ذاته.

لا شفاء من أي شيء.

قالتها نفسي الأكبر سنًا، وهي تتسلق إحدى الأشجار. أعرف أن الإنسان يرفض العجز؛ فكما بدأت حياتي متسلقًا شجرَ المانجو، أختمها بتسلق هذه الفاكهة التي لا أعرف صنفها.

أرى آخر مشهدٍ لي؛ على أرجوحة النوم، أنظر إلى العالم مبتسمًا. لقد عشت الحياة بطولها، وأسامح نفسي على كل الأخطاء التي اقترفتها، وأطلق أبطال الكتابة يعيشون، يدعون لي بالهدوء والسكينة، وأغمض عينيَّ أخيرًا…

زر الذهاب إلى الأعلى