جنازة لا تشبه سواها
بقلم : عماد نويجي
الفصل الأول
لم تكن جنازة عبد الستار النجار تشبه أي جنازة عرفتها القرية من قبل
فمنذ أن ارتفع صوت المؤذن معلنا رحيل الرجل الذي عاش عمره بين الناس حتى ظنوا أنهم يعرفونه جيدا بدأت الوجوه تتوافد إلى بيته القديم وكان كل وجه يحمل حزنا مختلفا وكل قلب يخفي حكاية لا يعلمها سواه
في صدر المجلس جلس يوسف ابن الراحل شاردا كأن الموت لم يأخذ أباه وحده بل أخذ معه الإجابات التي ظل يبحث عنها طوال سنوات
كان يستقبل المعزين بوجه جامد ويدين مرتعشتين وكلما اقترب منه أحدهم وربت على كتفه قائلا
شد حيلك يا بني أبوك كان راجلا طيبا وسيرته هتفضل عايشه
كان يوسف يشعر بوخزة غامضة في صدره
أي سيرة تلك التي يتحدثون عنها
وأي رجل طيب كان أبوه
أكان الرجل الذي يرسل الطعام إلى بيوت الفقراء في ليالي الشتاء هو نفسه الذي تشاجر مع أمه قبل موتها بأيام حتى تركها تبكي وحدها في غرفتها
أكان الرجل الذي أصلح بين عشرات العائلات هو نفسه الذي امتنع عن الحديث مع شقيقه الأصغر سبعة عشر عاما كاملة
ولماذا كانت أمه كلما سألها عن بعض أوراق الأرض القديمة تنظر إليه بعينين مذعورتين ثم تطلب منه ألا يفتح أبوابا لا يعرف ما وراءها
لم يكن يوسف يحب الأسئلة لكنه ورث عن أبيه عقلا لا يطمئن إلى الإجابات السهلة
وفي الناحية الأخرى من الدار كان شقيقه الأكبر محمود يتحرك بين المعزين بثقة رجل بدأ يفكر في الغد قبل أن يواروا أباه الثرى
لم يبك محمود كثيرا
كان يرفع هاتفه بين الحين والآخر ويتحدث بصوت منخفض ثم يخرج إلى الحديقة ليستقبل بعض الرجال الذين لم يعتادوا زيارة البيت إلا في المناسبات الكبيرة
وحين اقترب منه أحد أبناء عمومته وهمس في أذنه بشيء لم يسمعه أحد ابتسم محمود ابتسامة قصيرة وقال
كل حاجة هتتظبط بعد العزا
لكن يوسف الذي لمح ابتسامته لم يشعر بالارتياح
فثمة شيء في أخيه تغير خلال الأيام الأخيرة
شيء يشبه من يعرف أن بابا ظل مغلقا سنوات قد أصبح على وشك الانفتاح
على مسافة قصيرة من بيت عبد الستار كانت أمينة تجلس أمام نافذتها الخشبية القديمة تراقب حركة الناس في الشارع
لم تذهب إلى الجنازة رغم أن عبد الستار كان واحدا من القلائل الذين وقفوا إلى جوارها حين تخلى عنها الجميع
وحين سألتها ابنتها سلمى عن سبب غيابها قالت إنها مريضة ولا تستطيع الخروج
لكن سلمى لم تصدقها
فأمها لم تكن مريضة حين وصلها الخبر بل كانت واقفة تعجن الخبز وحين سمعت اسم عبد الستار سقطت قطعة العجين من يدها وكأنها سمعت اسم رجل عاد من الموت ليطالبها بشيء نسيته أو حاولت أن تنساه
دخلت سلمى الغرفة فوجدت أمها تفتح صندوقا صغيرا تحت السرير
كان الصندوق قديما ذا قفل صدئ ولم تره سلمى مفتوحا طوال حياتها
أخرجت أمينة منه ظرفا أصفر ثم راحت تتحسس حوافه بأصابع مرتجفة
قالت سلمى
بتدوري على إيه يا أمي
انتفضت أمينة وأخفت الظرف خلف ظهرها
ولا حاجة يا بنتي
اقتربت سلمى منها
هو موت الحاج عبد الستار له علاقة بالورقة دي
تغير وجه أمينة فجأة وأمسكت بذراع ابنتها بقوة لم تعهدها منها
اسمعيني كويس يا سلمى
في حاجات لو عرفناها بنتمنى لو كنا فضلنا طول عمرنا جاهلين بيها
ثم أعادت الظرف إلى الصندوق وأغلقت القفل
لكنها لم تنتبه إلى أن قصاصة صغيرة قد سقطت من داخله واستقرت تحت حافة السرير
قصاصة لم يكن عليها سوى اسم واحد
حازم
في الجهة الغربية من القرية كان فؤاد الشربيني يقف أمام المرآة يعدل ربطة عنقه بينما كانت زوجته نوال تراقبه من خلف الباب
كان في الخامسة والخمسين من عمره وقد منحته السنوات وجها يعرف كيف يخفي انفعالاته وابتسامة تعلم استخدامها حين يريد أن يبدو رجلا لا يرفض له طلب
لم يكن فؤاد من أبناء العائلات الكبيرة لكنه أصبح أغنى منهم جميعا
اشترى الأراضي حين عجز أصحابها عن سداد ديونهم ودخل في مشروعات لم يجرؤ غيره على الاقتراب منها وأصبح الناس يطرقون بابه طلبا للمال أو الوظيفة أو الوساطة
وكان يعرف أن حاجات الناس هي أكثر الأبواب اتساعا لمن يريد السيطرة عليهم
قالت نوال وهي تدخل الغرفة
هتروح العزا
أجاب دون أن ينظر إليها
طبعا
غريب أمرك يا فؤاد
إيه الغريب
عمرك ما كنت بتحب عبد الستار للدرجة دي
استدار إليها ببطء
هو لازم أحب الراجل علشان أروح أعزي أهله
لم تجبه
كانت تعرف أن زوجها لا يحب الأسئلة التي لا يستطيع التحكم في نهايتها
اقترب منها وأخذ هاتفه من فوق الطاولة ثم قال
على فكرة أنا محتاج المفتاح بتاع المخزن القديم
تجمدت أصابع نوال للحظة
أي مخزن
المخزن اللي في آخر الأرض
ليه
نظر إليها طويلا ثم ابتسم
إنتِ بقيتي تسألي كتير يا نوال
غادر الغرفة تاركا خلفه صمتا ثقيلا
انتظرت حتى سمعت صوت سيارته يبتعد ثم أسرعت إلى خزانة ملابسها وأخرجت حقيبة جلدية صغيرة كانت تخفيها خلف الثياب الشتوية
فتحتها وأخرجت مجموعة من الرسائل القديمة
كانت الرسائل تحمل توقيع رجل مات منذ أكثر من عشرين عاما
وفي آخر رسالة قرأتها نوال مرة أخرى العبارة التي ظلت تطاردها منذ زواجها من فؤاد
لقد سامحتك في مالي لكنني لن أسامحك أبدا في الدم الذي سال بسببه
جلست على طرف السرير وأغمضت عينيها
كانت تعرف أن موت عبد الستار لن يكون نهاية الحكاية
بل ربما كان البداية التي انتظرها الماضي طويلا
في المقابل كان حسن يقف داخل ورشته الصغيرة يصلح دراجة نارية لأحد أبناء القرية حين دخل عليه صديقه عادل مسرعا
يا حسن إنت سمعت اللي حصل
رفع حسن رأسه دون أن يوقف عمله
لو قصدك موت الحاج عبد الستار فأيوه سمعت
مش دي المصيبة
أمال إيه
فؤاد الشربيني اشترى نص الأراضي اللي حوالين الترعة وبيقولوا إنه هيبدأ يطلع الناس من بيوتها
توقفت يد حسن عن الحركة
الأراضي دي فيها بيوت ناس عايشة من عشرات السنين
ما هو معاه عقود يا سيدي
عقود إيه اللي تطلع ناس من بيوتها
العقود اللي محدش يقدر يقف قصادها
خلع حسن القفاز الملطخ بالزيت ونظر إلى صديقه
اللي معاه حق ما يخافش من حد واللي معاه ورق مزور مهما طال الزمن هييجي اليوم اللي الورق ده يتكلم فيه
ضحك عادل بمرارة
إنت لسه فاكر إن الدنيا بتمشي بالحق
رد حسن وهو يعود إلى عمله
لا يا عادل أنا عارف إن الدنيا ساعات بتمشي بالباطل لكن ده مش معناه إني أمشي وراه
لم يكن حسن يعلم أن الكلمات التي قالها في تلك اللحظة ستضعه بعد أيام قليلة في مواجهة اتهام قد يرسله إلى السجن وأن الرجل الذي يتحدث عنه لم يكن ينتظر سوى زلة واحدة ليجعله عبرة لكل من يفكر في الوقوف أمامه
عند الظهيرة وصل الدكتور حازم إلى القرية
كانت سيارته تسير ببطء في الشارع الرئيسي بينما تتعلق عيناه بالبيوت التي تركها منذ خمسة عشر عاما
لم يتغير المكان كثيرا
المخبز القديم ما زال في زاوية الشارع والدكان الذي كان يشتري منه الحلوى طفلا ما زال قائما وإن تغير صاحبه والبيت الذي شهد أول حب في حياته لا تزال نافذته الخشبية مفتوحة كأن الزمن لم يمر من أمامها
لكنه هو الذي تغير
عاد رجلا ناجحا يحمل شهادة كبيرة ومالا يكفي ليعيش بعيدا عن ضيق القرية لكنه عاد أيضا محملا بذكريات ظن أنه دفنها إلى الأبد
توقف أمام صيدلية صغيرة وسأل الصيدلي عن بيت عبد الستار
أشار الرجل إلى الشارع الجانبي ثم قال
ربنا يرحمه كان راجلا طيبا
أومأ حازم برأسه لكنه لم يتحرك فورا
كان يعرف عبد الستار جيدا
بل كان يعرف عنه ما لا يعرفه كثيرون
وقبل أن يستأنف طريقه لمح امرأة تقف أمام مخبز قريب تحمل طفلا صغيرا بيد وتمسك كيس خبز باليد الأخرى
كانت المرأة تتحدث مع صاحبة المخبز وحين التفتت صدفة إلى الشارع وقعت عيناها عليه
سقط كيس الخبز من يدها
لم تصرخ ولم تتحرك
فقط تغير وجهها كأنها رأت شبحا خرج من قبر قديم
أما حازم فقد ظل ينظر إليها عاجزا عن الكلام
كانت هي
المرأة التي تركها خلفه قبل خمسة عشر عاما دون أن يعرف ماذا حدث لها بعد رحيله
والطفل الذي تمسك بيده لم يكن قد تجاوز العاشرة
لكن عينيه كانتا تحملان شيئا مألوفا لم يستطع حازم أن يفسره
اقترب خطوة واحدة
فحملت المرأة طفلها من كتفه وأسرعت مبتعدة وهي تردد بصوت لم يسمعه سواها
يا رب استرها المرة دي
مع اقتراب مساء اليوم الثانى من انتهاء مراسيم الدفن والعزاء اجتمع أبناء عبد الستار داخل غرفة المكتب لإتمام بعض الإجراءات المتعلقة بالتركة
كانت الغرفة تفوح منها رائحة الورق القديم والتبغ الذي اعتاد الراحل تدخينه قرب النافذة
جلس محمود إلى جوار المحامي بينما وقف يوسف أمام المكتبة يتفحص الكتب والصناديق التي لم يسمح له أبوه بالاقتراب منها في حياته
قال المحامي وهو يخرج ملفا من حقيبته
قبل ما نبدأ في حصر التركة لازم أوضح إن المرحوم كان سايب تعليمات خاصة بخصوص بعض المستندات
رفع محمود رأسه بسرعة
تعليمات إيه
الموضوع يخص قطعة أرض في الناحية الغربية من القرية وفيه مستندات لازم تتراجع قبل أي تصرف فيها
تبادل الأخوان النظرات
قال محمود بنبرة حاول أن يجعلها هادئة
الأرض دي بتاعتنا ومفيش حد له حق فيها
أجاب المحامي
أنا ما قلتش غير إن فيه مستندات لازم تتراجع
تدخل يوسف للمرة الأولى
ومين له حق يراجع المستندات دي
أخرج المحامي ورقة من الملف ثم قال
المرحوم طلب إننا نتواصل مع شخص بعينه قبل اتخاذ أي قرار
مين الشخص ده
نظر المحامي إلى الورقة طويلا ثم رفع عينيه إلى يوسف
الأستاذ فؤاد الشربيني
ساد الصمت
كان اسم الرجل وحده كافيا ليغير شكل الجلسة
نهض محمود من مقعده بعصبية وقال
إحنا مالناش دعوة بفؤاد ولا غيره
لكن المحامي أضاف جملة أخرى جعلت يوسف يشعر بأن الأرض تميد تحت قدميه
فيه وصية تانية يا أستاذ يوسف والمرحوم أكد عليّ إنها ما تتفتحش غير في حالة واحدة
وإيه الحالة دي
أن فؤاد الشربيني يطلب شراء الأرض
في تلك الليلة لم ينم أحد من الذين دخلوا حكاية عبد الستار دون أن يعرفوا أنهم دخلوها
أمينة أخرجت الظرف الأصفر مرة أخرى
ونوال أعادت الرسائل إلى حقيبتها وأخفت المفتاح في مكان مختلف
وحازم ظل جالسا في غرفته بالفندق يستعيد وجه المرأة والطفل
وحسن أغلق ورشته بعد أن تلقى إنذارا شفهيا من أحد رجال فؤاد
أما يوسف فظل وحده في مكتب أبيه حتى تجاوزت الساعة منتصف الليل
كان يفتح الأدراج واحدا بعد الآخر باحثا عن أي تفسير
وحين هم بالمغادرة لاحظ أن أحد ألواح المكتبة غير ثابت
ضغط عليه فتحرك قليلًا
مد يده إلى خلفه فوجد ظرفا أسود صغيرا ملتصقا بالخشب
كان الظرف مختوما بالشمع الأحمر وعليه اسمه بخط أبيه
جلس يوسف على الكرسي ببطء ثم فتح الظرف
وجد بداخله ورقة واحدة لا غير
قرأ السطر الأول فتجمد الدم في عروقه
ثم قرأ السطر الثاني فشعر بأن سنوات عمره كلها قد تحولت إلى سؤال واحد
وفي أسفل الورقة كتب عبد الستار بخط مرتجف
يا يوسف إذا كنت تقرأ هذه الرسالة فهذا يعني أنني مت قبل أن أستطيع إصلاح ما أفسدته بيدي
وتحت العبارة مباشرة كانت هناك أسماء خمسة أشخاص
أحدهم والده
والثاني فؤاد الشربيني
والثالث أمينة
والرابع الأستاذ جلال
أما الاسم الخامس فكان اسم رجل لم يسمع يوسف به من قبل
وبجواره جملة واحدة
هذا هو الرجل الذي دفعنا جميعا ثمن خطيئته
رفع يوسف رأسه نحو النافذة
كان الليل ساكنا والقرية غارقة في صمتها المعتاد
لكنه أدرك في تلك اللحظة أن جنازة أبيه لم تكن نهاية حياة رجل
بل كانت بداية دفن أسرار كثيرة لم تعد تملك رفاهية البقاء في القبور
انتظركم فى الفصل الثانى









