قصص قصيرة
أخر الأخبار

عتبات الونس. رؤية: محمد سعد شاهين

عتبات الونس. 

رؤية: محمد سعد شاهين

قبل أن يعلن الفجر عن نفسه، تسبقه رائحته. تتسلل من شقوق الأبواب الخشبية العجوز كأنها سر يهمس في أذن الحارة.

رائحة الخبز المعجون بالماء والملح تختلط برائحة الصباح البكر فتصنع خليطا يُسكر الحالمين.

 

أم عبدالرحمن تخرج أول الخارجين. جسمها الضخم يملأ العتبة . تضع كرسيها القصير

— ذلك الكرسي الذي اسودت قوائمه من كثرة السنين

— وتجلس عليه بثقل من يملك المكان ويسيطر عليه.

في يدها مسبحتها العنبرية تدور بلا توقف، وعيناها الضيقتان تسجلان كل شيء كأنهما دفتر حساب الحارة بأسرها.

الحارة لا تستيقظ دفعة واحدة. تستيقظ حلقة حلقة، كأنها قصيدة تلقى بيتا بيتا على مهل.

ثم يأتي صوت العربة. صرير عجلاتها على البلاط القديم يوقظ النائمين.
الحاج سليمان يدفعها أمامه، ومعه صناديق الخضر المرصوصة كتيجان خضراء وحمراء وصفراء، كأن الأرض أرسلت هداياها مبكرا هذا الصباح.
ينادي بصوت يشق الهواء كمنشار حنون: «طماطم ..جرجير.. كرنب المحاشي»

ولم يقلها أحد قبله هكذا، ولن يقولها أحد بعده بهذا الإيقاع بالذات.

تتفتح النوافذ الواحدة تلو الأخرى كأجفان تتثاءب. تظهر الوجوه

— وجوه محفور فيها ما حفرته الأيام بلا استئذان.

زينب الصغيرة تطل من الطابق الثالث، شعرها الأشقر منكوش كشعلة في ريح، وهي تنادي أمها بصوت لا يفرق بين الشكوى والغناء: «ماما، قوليله يديني خس!»

فيرفع الحاج سليمان عينيه إليها ويبتسم ابتسامة حنونة..ويمسك بين يديه ربطة من الخس الطازج ليضعها في الصندوق المصنوع من الخوص.

أما المقهى، فهو رئة الحارة. منه يتنفس الرجال ما لا يتنفسونه في البيوت.

عم مصطفى يعد الشاي بطريقة لا يعلمها لأحد. يصبه من ارتفاع ويعيده، يصبه ويعيده، حتى يصبح اللون كلون الذهب المحترق .

الاستكانات الصغيرة تصطف أمامه كجنود أوفياء، وبخارها يرسم في الهواء ثم يختفي كأفكار جيدة لم تكتب. يجلس الرجال ويتحدثون بما لا معنى له وفيه كل المعنى

— الكرة والبلد والغلاء

— وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم لا يبحثون عن إجابات بقدر ما يبحثون عن بعضهم.

وحين ينتصف النهار تغلق الحارة عينيها قليلا. الأبواب توصد نصف وصيد، والستائر تسدل ولا تغلق، والهواء الساكن يحمل رائحة الأرز والبصل والملوخية.

في هذا السكون ، تسمع أصوات الحارة الحقيقية: صرير الباب، وخطوات على السلم الخشبي، وضحكة طفل لا يحمل في باله أي هم.

لكن أجمل ساعات الحارة ما قبل المغرب. حين يتحول الضوء إلى ذهب مائل، وتلقي الجدران العتيقة بظلالها الطويلة كأنها تمد أذرعها لتستعيد ما أخذه منها النهار.

تخرج الكراسي الخشبية إلى الأمام كأنها تهاجر من داخل البيت إلى رحابة الهواء. تجلس الأمهات بأقدام متعبة وقلوب مفتوحة، ويبدأ الكلام

— ذلك الكلام الذي يبدو ثرثرة لمن يمر، وهو في حقيقته نسيج الذاكرة الجماعية يحاك خيطا خيطا كل مساء.

والأطفال في هذه الساعة ملوك بلا تاج. يركضون والحارة مملكتهم، يصطدمون بالأبواب ويعتذرون لها ثم يكملون.

وأصواتهم تتقافز بين الجدران فتتضاعف وتكبر حتى يبدو وكأن مئة طفل يلعبون حيث لا يوجد إلا عشرة. وأم عبدالرحمن تراقبهم بعينيها الحاسبتين وفي قلبها شيء دافئ لا تقوله لأحد.

ثم يأتي المغرب. يؤذن فتسكت الحارة سكوت الاحترام. حتى القطط

— وهي لا تحترم شيئا عادة

— تتوقف لثانية كأنها فهمت. الضوء يتحول، والبخور يبدأ يتسرب من الشقق العليا، والحارة تستنشقه وتحمد الله بطريقتها الصامتة المعتادة.

وفي الليل، حين تطفأ أضواء المحلات الواحدة تلو الأخرى، وتوصد الأبواب بالمزاليج الحديدية التي تصدر صوتا كالختم، تبقى الحارة مستيقظة بداخلها.

خلف كل باب مغلق حياة تكمل سيرتها، وخلف كل نافذة معتمة حلم يجرب حظه بين الرقاد واليقظة. والحارة تحضنهم جميعا

— محبوبها ومكروهها، غنيها وعاثرها، من جاء منذ زمن ومن أتى أمس

— تحضنهم كما تحضن الأم أبناءها، دون أن تسأل أحدا إن كان يستحق الدفء.

زر الذهاب إلى الأعلى