مقالات

كُلُّ مَا نَرَاهُ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ… هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ؟

كُلُّ مَا نَرَاهُ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ… هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ؟

كتبت/ دعاء شعبان

فِي زَمَنٍ أَصْبَحَتْ فِيهِ الشَّاشَاتُ نَافِذَتَنَا الْأُولَى إِلَى الْعَالَمِ، تَغَيَّرَتْ طَرِيقَةُ إِدْرَاكِنَا لِلْوَاقِعِ بِشَكْلٍ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ مَثِيلٌ. لَمْ يَعُدِ الإِنسَانُ يَرَى الحَيَاةَ بِعَيْنَيْهِ فَقَطْ، بَلْ بِعَيْنِ “الكَامِيرَا”، وَبِتَصْفِيَةِ “الفِلْتَرِ”، وَبِمَا يَخْتَارُهُ الآخَرُونَ أَنْ يَظْهَرَ وَيُعْرَضَ.

لَكِنَّ السُّؤَالَ الأَهَمَّ:

هَلْ كُلُّ مَا نَرَاهُ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ حَقِيقَةٌ؟

الإِجَابَةُ بِبَسَاطَةٍ: لَا.

فَمَا يُنْشَرُ عَلَى تِلْكَ الْمِنَصَّاتِ لَيْسَ وَاقِعًا كَامِلًا، بَلْ “نُسْخَةٌ مُنْتَقَاةٌ” مِنَ الوَاقِعِ. النَّاسُ لَا يُعْرِضُونَ حَيَاتَهُمْ كَمَا هِيَ، بَلْ كَمَا يُرِيدُونَ لِلآخَرِينَ أَنْ يَرَوْهَا؛ لَحَظَاتُ الفَرَحِ تُضَخَّمُ، وَالنَّجَاحَاتُ تُلَمَّعُ، وَالصُّوَرُ تُعَدَّلُ، وَحَتَّى المَشَاعِرُ أَحْيَانًا تُصَاغُ لِتُنَاسِبَ إِعْجَابًا أَوْ تَعْلِيقًا.

خَلْفَ كُلِّ صُورَةٍ مُثَالِيَّةٍ، قَدْ تَكُونُ هُنَاكَ تَفَاصِيلُ لَا تُعْرَضُ: تَعَبٌ، حُزْنٌ، صِرَاعٌ دَاخِلِيٌّ، أَوْ حَتَّى فَرَاغٌ كَبِيرٌ لَا تَلْتَقِطُهُ الكَامِيرَا. نَحْنُ لَا نَرَى القِصَّةَ كَامِلَةً، بَلْ نَرَى “الوَاجِهَةَ” فَقَطْ.

وَمَعَ تَكْرَارِ هَذَا العَرْضِ المُثَالِيِّ، يَبْدَأُ العَقْلُ البَشَرِيُّ فِي المُقَارَنَةِ دُونَ وَعْيٍ. يَرَى حَيَاةَ الآخَرِينَ كَأَنَّهَا مُكْتَمِلَةٌ، وَحَيَاتَهُ هُوَ كَأَنَّهَا نَاقِصَةٌ، رَغْمَ أَنَّ مَا يُقَارَنُ بِهِ لَيْسَ حَقِيقِيًّا بِالكَامِلِ. وَهُنَا تَبْدَأُ المُشْكِلَةُ: الشُّعُورُ بِالنَّقْصِ، أَوِ الضَّغْطُ النَّفْسِيُّ، أَوْ فَقْدَانُ الرِّضَا.

الحَقِيقَةُ أَنَّ مَوَاقِعَ التَّوَاصُلِ لَيْسَتْ كَاذِبَةً بِالكَامِلِ، لَكِنَّهَا أَيْضًا لَيْسَتْ صَادِقَةً بِالكَامِلِ. إِنَّهَا مَسَاحَةٌ بَيْنَ الاثْنَيْنِ، خَلِيطٌ مِنَ الوَاقِعِ وَالتَّمْثِيلِ، مِنَ الحَقِيقَةِ وَالاخْتِيَارِ.

لِذَلِكَ، عَلَيْنَا أَنْ نَتَعَامَلَ مَعَهَا بِوَعْيٍ لَا بِانْبِهَارٍ، وَأَنْ نَتَذَكَّرَ دَائِمًا أَنَّ مَا يُعْرَضُ لَيْسَ الحَيَاةَ كُلَّهَا، بَلْ “جُزْءٌ مُصَمَّمٌ بِعِنَايَةٍ مِنَ الحَيَاةِ”.

فِي النِّهَايَةِ، الحَقِيقَةُ لَا تُقَاسُ بِعَدَدِ الإِعْجَابَاتِ، وَلَا بِجَمَالِ الصُّورَةِ، بَلْ بِمَا لَا يُنْشَرُ أَصْلًا… بِمَا يَحْدُثُ خَلْفَ الكَوَالِيسِ، بَعِيدًا عَنْ كُلِّ شَاشَةٍ.

زر الذهاب إلى الأعلى