آخر الكلمات…
بقلم/ محمد سعد شاهين
دخل “عمر” البيت بخطوات متسارعة، كان قلبه يخفق بوهجٍ غريب لم يعهده من قبل، مزيج من الفرح الممزوج بالقلق. ألقى بمفاتيحه على الطاولة الخشبية المتهالكة، ونادى بصوتٍ متهدج، تملؤه لهفة رجلٍ منتصر:
_ أمي! يا أمي.. أخيراً، أخيراً وافقوا في المستشفى! العملية تقرر موعدها، سنذهب غداً.. ستعودين كما كنتِ، ستضحكين وتتحركين.. أمي، أين أنتِ؟”
ساد صمتٌ مطبق، صمتٌ ثقيل لم يقطعه سوى صوت أنفاسه المضطربة. اتجه نحو حجرتها، دفع الباب ببطءٍ شديد، لتظهر هي، مستلقيةً على فراشها، هادئةً بشكلٍ لا يبعث على الراحة.
_ أمي؟ لماذا لا تردين؟
اقترب منها، وضع يده على كتفها ليهزها برفق، لكن كتفها كان بارداً، بارداً كليلة شتاء . تراجع خطوة إلى الوراء، اتسعت عيناه من هول الصدمة، ونبضت عروق رأسه بجنون.
_أمي.. استيقظي..ليس هذا وقت المزاح؟ لقد أحضرت الموافقة، انظري.. انظري إليها!
هزّها بقوة أكبر، لكن رأسها مال إلى الجانب بخفةٍ توحي بأن روحها غادرت منذ زمن. سقطت الأوراق من يده، وتجمدت ملامحه. في تلك اللحظة، تحطم كل شيء.
_لا.. لا، هذا مستحيل. لا يمكنكِ الرحيل الآن.. ليس وأنا أقف على أعتاب الأمل!
انهار بجانب الفراش، دفن وجهه في غطاء سريرها، وبدأ صوته يتهشم بين دموعٍ مكتومة:
_ سامحيني يا أمي.. سامحيني على عجزي، سامحيني على فقري الذي قيدكِ بهذا الفراش، سامحيني لأنني لم أستطع أن أقدم لكِ ما يليق بروحكِ الطاهرة.. لقد تأخرت، تأخرت كثيراً حتى فات الأوان.
توقف عن البكاء فجأة، نظر إلى وجهها الساكن، وبدت تقاسيم وجهه وكأنها تجمدت في قناعٍ من الحزن العميق الذي لا يجد له منفذاً.
مسح وجهه بيده المرتجفة، وأخذ نفساً عميقاً، طويلاً، ثم أغمض عينيه ومال برأسه نحو صدرها الهامد.
_الحمد لله.. الحمد لله على كل حال.
همس بها بصوتٍ خافت، متهالك، وكأنها ترتيلة أخيرة لوداعٍ أبدي. لم يعد هناك مستشفى، لم تعد هناك عمليات، لم يعد هناك سوى الرضا المرّ بقضاءٍ مكتوب، استسلامٌ مطلقٌ لحقيقةٍ لا يمكن لفقره أو لغناه أن يغيرها.






