أدب وثقافة

حكمةٌ وموعظةٌ (2)… لا للكذب

 

حكمةٌ وموعظةٌ (2)

لا للكذب

 

بقلم الأديب/ محمود طه

كان هناك شابٌّ يُدعى أحمد، ينتمي إلى أُسرةٍ ثريَّةٍ جدًّا. ولكن، وللأسف الشديد، تعرَّضت شركاتُ والده لخسائرَ فادحةٍ، حتى فقدوا معظمَ أملاكهم، ولم يتبقَّ لهم سوى شقَّةٍ كبيرةٍ، وسيارةٍ، وبعضِ الأموال. ولم تمضِ فترةٌ طويلةٌ حتى أُصيب والده بأزمةٍ قلبيةٍ حادَّةٍ أودت بحياته، فأصبح أحمد بلا أبٍ ولا أمٍّ؛ إذ فقد والدتَه وهو لا يزال طفلًا صغيرًا.

وبدلًا من أن يبحث أحمد عن عملٍ شريفٍ يُعينه على مواجهة ظروف الحياة، أخذ يُوهم الجميع بأنه ما زال ثريًّا، وأن والده ترك له ثروةً طائلةً.

تعرَّف أحمد إلى فتاةٍ تُدعى زينب، فأحبَّها وأحبَّته. لكنه لم يُصارحها بحقيقة ظروفه، بل استمرَّ في نسج الأكاذيب. وعندما تقدَّم لخطبتها، أخبر والدها، الأستاذ مراد، بأنه من الأعيان، ويملك شركاتٍ وأموالًا كثيرةً.

فقال له الأستاذ مراد، الذي كان يعمل في أحد محالِّ الملابس:

“يا بُنيَّ، لا يهمُّني كم تملك من مالٍ، وإنَّما يهمُّني أن تصون ابنتي، وتحافظ عليها، وتُحسن معاملتها.”

فأجابه أحمد:

“لا تقلق يا عمِّي.”

ومرَّت فترةُ الخطوبة، وتقاربا أكثر، لكن أحمد ظلَّ يُخفي الحقيقة. وكان يتَّصل بزينب كلَّ صباحٍ، ويُخبرها أنه ذاهبٌ إلى شركته، بينما لم يكن يملك أيَّ شركة.

وفي أحد الأيام، حاولت زينب أن تستفسر عن الشركة، فعلمت أنها أفلست منذ مدةٍ، وأن صاحبها تُوفِّي إثر أزمةٍ قلبيةٍ أصابته بسبب تلك الخسائر.

ذهبت إلى عنوان منزل أحمد، وطرقت الباب، فإذا به في المنزل. عندها أيقنت أن كلَّ ما أخبرها به لم يكن سوى أكاذيب.

قالت له، والدموع تملأ عينيها:

“لماذا كذبت عليَّ؟ لماذا أوهمتني بأشياءَ ليست موجودةً؟ صدِّقني، لم يكن المال يومًا ما يهمُّني، ولكن الذي يؤلمني الآن أنك كذَّاب. كيف أشعر بالأمان معك؟ وكيف أُصدِّقك بعد اليوم؟”

فقال أحمد، متوسِّلًا:

“كنتُ سأخبرك بكلِّ شيءٍ، فقط امنحيني فرصةً لأشرح لك الحقيقة.”

لكنها قاطعته قائلةً:

“لا… لقد انتهى الأمر.”

ثم نزعت خاتم الخطوبة، وألقته في وجهه، وقالت:

“كلُّ ما بيننا قد انتهى. مستحيلٌ أن أعيش مع رجلٍ لا يصدق.”

لقد حذَّرنا رسولُ الله ﷺ من الكذب، فقال:

«إنَّ الصِّدقَ يَهدي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهدي إلى الجنة، وإنَّ الرجلَ ليصدقُ حتى يُكتبَ عند الله صدِّيقًا، وإنَّ الكذبَ يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النار، وإنَّ الرجلَ ليكذبُ حتى يُكتبَ عند الله كذَّابًا».

العبرة

قد يخسر الإنسان كلَّ ما يملك، ثم يُعوِّضه بالجدِّ، والصبر، والمثابرة. لكن إذا خسر ثقةَ الآخرين بسبب الكذب، فقد خسر شيئًا يصعب استعادته. فالصدق أساسُ الحياة، وأساسُ كلِّ علاقةٍ ناجحةٍ، أمَّا الكذبُ فيهدم المحبَّة، ويزرع الشكَّ، ويُفقد الأمان، ويقضي على الثقة، مهما كانت المشاعر صادقةً.

زر الذهاب إلى الأعلى