بقلم: ناصر السلاموني
تداولت مواقع التواصل الاجتماعي منشورات وتحليلات تربط مشروع القطار الكهربائي السريع بخدمة الموانئ التي تديرها شركات أجنبية، وتثير تساؤلات حول علاقته بقناة السويس، وجدوى القروض التي مولت المشروع، وتأثيره في مستقبل الاقتصاد المصري. وبين من يصدق هذه الطروحات ومن يرفضها، يبقى الطريق الأكثر حكمة هو الاحتكام إلى الحقائق، لأن من حق المواطن أن يتساءل، ومن واجب الدولة أن توضح، فالمشروعات القومية تُقاس بما تحققه من قيمة مضافة للوطن، لا بما يدور حولها من جدل.
ولا يختلف اثنان على أن القطار الكهربائي السريع يمثل أحد أكبر مشروعات البنية الأساسية في تاريخ مصر الحديث، وأنه يهدف إلى ربط الموانئ والمدن الصناعية والزراعية والسياحية بشبكة نقل حديثة، بما يسهم في تقليل زمن وتكلفة النقل ويدعم حركة الاستثمار والتنمية. كما أن إدارة بعض الموانئ بعقود امتياز أو حق انتفاع مع شركات أجنبية ليست أمراً جديداً، بل نموذج معمول به في العديد من الدول، مع بقاء ملكية الأصول للدولة.
غير أن ذلك لا يمنع من طرح تساؤلات مشروعة تستحق إجابات واضحة: هل تحقق هذه العقود أفضل عائد ممكن للدولة المصرية؟ وهل يضمن المشروع تعظيم الاستفادة من موقع مصر الاستراتيجي؟ وهل أُجريت دراسات كافية لقياس أثره على منظومة النقل والتجارة، وعلى الدور المحوري الذي تقوم به قناة السويس؟
وفيما يتعلق بما يُثار عن منافسة القطار لقناة السويس، فإن الواقع يشير إلى أن القناة ستظل ممراً بحرياً عالمياً لا غنى عنه في حركة التجارة الدولية، بينما يمثل القطار وسيلة نقل برية يمكن أن تكمل المنظومة اللوجستية إذا أُحسن توظيفها. والتحدي الحقيقي ليس في وجود القطار أو القناة، بل في كيفية تحقيق التكامل بينهما بما يزيد من تنافسية الاقتصاد المصري ويعظم العائد من موقعه الجغرافي الفريد.
أما التمويل والقروض، فهي قضية ينبغي أن تُناقش من منظور اقتصادي بعيداً عن الشعارات. فليس الاقتراض في حد ذاته عيباً إذا كان موجهاً إلى مشروع قادر على تحقيق عائد اقتصادي مستدام، وزيادة الإنتاج، ودعم الصادرات، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل. أما إذا لم تتحقق هذه الأهداف، فإن أي مشروع، مهما بلغت أهميته، يصبح عبئاً على الموازنة العامة، وهو ما يجعل الشفافية في عرض دراسات الجدوى والعوائد المتوقعة أمراً ضرورياً لتعزيز ثقة المواطنين.
ولا يمكن إغفال البعد الإنساني في مثل هذه المشروعات، لأن التنمية الحقيقية لا تقتصر على إنشاء الطرق والسكك الحديدية، بل تشمل أيضاً احترام حقوق المواطنين، وعدالة التعويضات، وضمان أن يشعر كل من تأثر بتنفيذ المشروع بأنه شريك في التنمية، لا ضحية لها.
ومهما اختلفت الآراء حول المشروع، فإن الأهم هو كيفية تعظيم الاستفادة منه. فالقطار الكهربائي السريع يجب ألا يكون مجرد وسيلة لنقل الركاب، بل شرياناً اقتصادياً متكاملاً يخدم الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تحويل محطاته إلى مراكز لوجستية متطورة لتجميع وشحن وتوزيع المنتجات الزراعية، وربط المناطق الصناعية بالموانئ، وإنشاء موانئ جافة ومناطق للتخزين والخدمات، بما يفتح آفاقاً جديدة أمام الصادرات المصرية، ويخفض تكلفة النقل، ويعزز القدرة التنافسية للمنتج الوطني في الأسواق الإقليمية والعالمية.
كما يمكن أن تصبح هذه المحطات نقاط جذب للاستثمار، ومراكز تنموية تنشأ حولها مناطق صناعية وتجارية وسياحية وعمرانية جديدة، بما يجعل مسار القطار نفسه محوراً للتنمية الشاملة، لا مجرد خط للنقل. فكل محطة يمكن أن تتحول إلى فرصة لتنشيط الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل، ودعم المجتمعات المحيطة بها.
وفي النهاية، فإن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت مصدراً سريعاً للمعلومات، لكنها ليست بالضرورة مصدراً للحقيقة. لذلك فإن التعامل مع ما يُنشر عليها يجب أن يكون بحذر و بعقل ناقد، لا بعاطفة مندفعة، وأن نُخضع كل معلومة للتحليل والتمحيص قبل تبنيها أو إعادة نشرها. وفي المقابل، فإن أفضل وسيلة لمواجهة الشائعات هي الشفافية من الدولة ، وإتاحة المعلومات الدقيقة للرأي العام، حتى يكون النقاش قائماً على الحقائق لا على التخمين.
إن نجاح القطار الكهربائي السريع لن يقاس بسرعته أو طول خطوطه، بل بقدرته على خدمة الاقتصاد المصري بكل قطاعاته، وتعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر، وتحويل البنية الأساسية إلى قوة إنتاجية تدعم الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة، وتحقق التنمية المستدامة للأجيال القادمة. فحين يكون كل مشروع قومي في خدمة المواطن والاقتصاد الوطني أولاً، تتحول التنمية إلى واقع يشعر به الجميع، ويصبح الاستثمار في المستقبل استثماراً في قوة الدولة واستقرارها.








