صدى مصرمقالاتمنوعات

بسمة الصعيدية … بقلم فيفيان سمير

 

بسمة الصعيدية

 

بقلم فيفيان سمير

في أزمنة بعيدة، حيث كانت الجدات تُمسكن بخيوط الفجر الباكر، ويُضفرن من ضوء القمر خيوطا للحكايات، كُن يعجن الحياة بأيد مرهقة لكنها حنونة، ويغزلن من سنابل القمح وشجر الزيتون عالما مكتفيا بذاته، كُن يُربين البهائم ويحلبن الضرع ويخثرن اللبن ليصير جبنا وزبدا، ويزرعن الفناء ولو شبرا ليخرج منه حصاد الدنيا كلها، ثم يخبزن الخبز والفطير وينسجن الكتان ويحفظن المونة، وكأنهن كُن الكون بأكمله لا يحتجن إلى أحد، ولا ينتظرن من الرياح سوى نسمة تحمل عبق النيل.

وانزلق الزمن بين أصابع الأيام، وجاءت إحدى حفيداتهن، تلك التي ورثت عن الجدات عزيمتهن وشموخهن وتراثهن الثقافي والاجتماعي، لتغادر أرض الكنانة وتعبر المحيط إلى أمريكا، حيث كل شيء هناك وفير، كل شيء جاهز، كل شيء مُعبأ في علب لامعة، لكنها لم تحمل في حقائبها الملابس العصرية أو الأجهزة الحديثة، بل حملت في قلبها مصر كلها. حملت ترابها ورائحة أرضها في ذاكرتها، وصوت الصباح في وجدانها، وروح الصعيد العتيق في عروقها، حتى إذا ما حطت رحالها في وطن القارة البعيدة، لم تذُب هويتها بين ناطحات السحاب، بل أطلقت من صفحتها الإلكترونية اسما كالقصيدة “بسمة الصعيدية”، لتجعل من منصتها صوتا مصريا أصيلا مبهجا، ولتقول للعالم كله إن امرأة من أرض النيل تستطيع أن تبني مصرا جديدة أينما حلت، حتى لو كان ذلك في قلب الولايات المتحدة الأميركية.

هناك، في يومياتها الأميركية استعادت بسمة روح الجدات المتوارثة، فأخرجت من بين أناملها خبزا بعطر البيوت القديمة، وصنعت الفطير المشلتت كما كانت تصنعه الجدات، تغمس يدها في الدقيق والماء كأنها تغمسها في ذاكرة عميقة، وتفرد العجين على سفرة بيتها، وتدحرجه برفق كأنها تدحرج عمرا كاملا، ثم تخبزه في فرن لا يشبه تنور الطين لكن روحه واحدة، وتملأ بيتها بأريج الحقول المصرية التي لا يعرفها إلا من طعمها في طفولته. وإلى جانب الخبز، شرعت تصنع الجبن الأبيض تختلط فيه ملاحة الدمع بحلاوة الحليب، والزبد البلدي الذي يذوب على الريق كقطعة من الشمس، والمربى التي تختزل أشهر الصيف في قنينة زجاجية، وكأنها تخترق الزمن بصنعتها لتجعل من الغربة رحما دافئا يحتضن أصلها العريق.

ولم تكتفِ بذلك، بل أقامت في فنائها مزرعة صغيرة ترفرف فيها الدجاجات، تحضن البيض وتجمعه كل صباح كأنه لآلئ من نور، تهتم بطعام دجاجتها ونظافتها وكأنها تمارس طقسا للصلاة حتى وهي تعبر لهم على أرض زلقة تكسوها الثلوج. ومع حلول الربيع مدت أصابعها إلى حديقة المنزل لتحولها إلى جنة خضراء نابضة بالحياة، الطماطم تتدلى كالفوانيس، والخيار ينمو كالأصابع الخضر، والفلفل يتلألأ، والفراولة تتدلى كأقراط صغيرة، والملوخية ترفرف تحمل روائح النيل، وتقوم بتنقية الأعشاب الضارة من الزرع وكأنها تنقي قلبها من كل شائبة، وتقص النجيلة وتروي الأرض، لتروي جزءا من روحها التي جفت مع فراق الأوطان.

كل ذلك مع دورها كأم عصرية في بلاد العم سام، والذي يجب أن يستوعب إيقاع أمريكا المتسارع، فهي إلى جانب كل هذا، تقوم بتوصيل أولادها إلى مدارسهم كل صباح، وتعود بهم بعد انتهاء اليوم الدراسي، وتجلس معهم لمراجعة الدروس، وتتابع نشاطاتهم الاجتماعية والرياضية، وتخيط الملابس التي تحتاج لإصلاح أو تعديل، كقائد أوركسترا متعددة الألحان، تشتري طلبات البيت وتعتني بنظافته، وتدير كل شؤونه، وكأن يديها لا تعرفان الكلل، وقلبها لا يعرف الملل، فهي ليست مجرد حفيدة لجدات زرن الحياة ورسمن وجهها بأيد عارية، بل هي امتداد حي لهن، تحمل في صدرها وطنا كاملا وتوزعه على أطفالها بل وكل من حولها في مجتمعها الصغير من أصدقاء ومعارف، بل والعالم أجمع من خلال صفحتها الالكترونية.

إنها بسمة الصعيدية، ليست مجرد سيدة هاجرت مع أسرتها بحثا عن حياة أفضل، بل هي أيقونة متحركة لمصرية تعيش وطنها بأدق تفاصيله، تنقله معها حيثما ارتحلت، وتضعه في طعامها وشرابها وحديقتها ودجاجتها وخبزها، كأنها تأخذ بيد الآخرين ليروا مصر من خلال عينيها، وكأنها تقول للعالم الوطن ليس أرضا فقط، بل هو روح لا تهزم. إنها باختصار تلك المرأة التي تسكنها بلادها كالنهر في مجراه، فلا تغيره الأماكن ولا تبدله المسافات، بل يظل جاريا في عروقها حتى اللحظة الأخيرة، يشكلها ويشكل كل ما تلمسه يديها، ويجعل من كل ركن في مهجرها مصرا مصغرة أكثر ممن يعيشن على أرض مصر ذاتها.

تبكي وتضحك وتزرع وتحصد، وكأنها لم تغادر سوى لتثبت أن مصر وطن يعيش فينا بكل ما فيه حتى خارج الحدود.

 

زر الذهاب إلى الأعلى