كيف أقنع مصر كلها بأنه قاضٍ؟..
لغز سنوات الوهم الذي انتهى في لحظة
عندما يتحول الوهم إلى واقع.. كيف خدع منتحل صفة قاضٍ الجميع؟
بقلم/ أحمد عيسى الزوامكى
لم يكن أحد يتخيل أن شخصًا يستطيع، لسنوات، أن يعيش حياة قاضٍ دون أن يكون قاضيًا، وأن يقنع من حوله بأنه أحد رجال القضاء، حتى أصبحت التهاني بالترقيات والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا من صورته التي صدقها الجميع.
قضية مصطفى محمود عبد الحميد، المتهم بانتحال صفة قاضٍ، لم تثر الجدل بسبب الاتهامات المنسوبة إليه فقط، وإنما لأنها كشفت كيف يمكن أن تتحول الثقة إلى وسيلة للنصب إذا غاب التحقق والرقابة. ووفقًا لما نشرته وسائل إعلام، فإن التحقيقات تشير إلى أنه استغل هذه الصفة المزعومة في التعامل مع المواطنين، فيما لا تزال جهات التحقيق تستكمل إجراءاتها لكشف جميع ملابسات القضية، مع بقاء قرينة البراءة قائمة حتى صدور حكم قضائي نهائي.
الصدمة الحقيقية ليست في جرأة المتهم، بل في أن كثيرين تعاملوا معه باعتباره قاضيًا بالفعل. فهناك من هنأه على ترقيات، وهناك من وثق في حديثه، بل إن ظهوره الإعلامي – بحسب ما تم تداوله – عزز من صورته أمام الناس، حتى أصبحت الصفة التي ادعاها تبدو حقيقية في نظر الكثيرين.
هذه الواقعة تفتح بابًا مهمًا للنقاش حول مسؤولية الجميع. فالمؤسسات مطالبة بتشديد إجراءات التحقق، والإعلام مطالب بالتدقيق في هوية ضيوفه، والمواطن أيضًا مطالب بعدم منح ثقته لأي شخص لمجرد لقب أو مظهر أو ظهور على شاشة تلفزيون أو منصة تواصل اجتماعي.
ولا ينبغي أن تتحول هذه القضية إلى سبب للتشكيك في مؤسسات الدولة، بل على العكس، فهي تؤكد أهمية الرقابة وسيادة القانون، وأن أي شخص يحاول استغلال اسم مؤسسة أو انتحال صفة رسمية سيخضع للمحاسبة متى توفرت الأدلة.
في النهاية، الدرس الذي تقدمه هذه القضية واضح: في زمن تنتشر فيه الصور والمنشورات بسرعة، لا يجب أن تكون الشهرة أو الظهور الإعلامي دليلًا على الحقيقة. فالحقيقة لا تثبتها الكاميرات، وإنما يثبتها القانون، والتحقق، والمؤسسات التي تحمي ثقة المواطنين.








