المرأة ومجتمعاتصدى مصرمقالاتمنوعات

حين يتحول “التريند” إلى محكمة. هل أصبح سائق أوبر هو المتهم حتى تثبت براءته؟

حين يتحول “التريند” إلى محكمة..

هل أصبح سائق أوبر هو المتهم حتى تثبت براءته؟

 

بقلم: ممدوح عكاشة

في الأيام الأخيرة تصدّر تريند النساء ضد سائقي أوبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تداول عدد من القصص والمقاطع التي تتحدث عن مواقف تعرضت لها بعض السيدات أثناء استخدام تطبيقات النقل الذكي. ومع انتشار هذه الروايات، انقسم الرأي العام بين مؤيد يرى أن ما يحدث يكشف عن أزمة حقيقية تتطلب التدخل، وبين معترض يخشى أن يتحول التريند إلى حالة من التعميم تظلم آلاف السائقين الشرفاء.

لا أحد يختلف على أن أمن الراكبة حق أصيل لا يقبل النقاش، وأن أي تجاوز أو تحرش أو تهديد يجب أن يواجه بأقصى درجات الحزم وفق القانون. فالمرأة من حقها أن تستقل وسيلة نقل وهي مطمئنة على نفسها، وعلى الشركات أن توفر أعلى معايير الأمان والمتابعة والاستجابة للشكاوى.

لكن في المقابل، فإن العدالة تقتضي أيضًا ألا يصبح كل سائق أوبر موضع اتهام بسبب أخطاء فردية ارتكبها البعض. فهناك آلاف السائقين الذين يعملون لساعات طويلة من أجل لقمة العيش، ويحافظون على احترامهم لركابهم، ويؤدون عملهم بأمانة وإخلاص.

إن أخطر ما تصنعه مواقع التواصل الاجتماعي هو أنها قد تحوّل الواقعة الفردية إلى حكم عام، وتجعل الرأي العام يصدر أحكامه قبل انتهاء أي تحقيق. فليس كل منشور حقيقة كاملة، وليس كل رواية تعكس الصورة بأكملها، كما أن الدفاع عن الضحية لا يعني إهدار حق المتهم في تحقيق عادل.

المطلوب اليوم ليس إشعال معركة بين النساء والسائقين، بل بناء منظومة أكثر أمانًا للجميع. وهذا يبدأ بتشديد إجراءات اختيار السائقين، والتأكد من سلامة سجلاتهم، وتفعيل وسائل الطوارئ داخل التطبيق، وسرعة التحقيق في أي بلاغ، مع توقيع العقوبات الرادعة على من يثبت تجاوزه.

كما يجب على الركاب الالتزام باستخدام التطبيق الرسمي، وعدم إجراء رحلات خارج النظام، والتأكد من بيانات السيارة والسائق قبل بدء الرحلة، وإبلاغ الأسرة أو الأصدقاء بخط السير عند الحاجة.

إن المجتمع لا يكسب شيئًا عندما يتحول “التريند” إلى منصة للتشهير أو التعميم، وإنما يكسب عندما تتحقق العدالة، ويشعر الجميع بالأمان، سواء كانت الراكبة التي تبحث عن رحلة آمنة، أو السائق الذي يسعى إلى كسب رزقه بكرامة.

ويبقى المبدأ الذي لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا: كل اعتداء يجب أن يُحاسب مرتكبه، وكل بريء يجب أن تُصان كرامته. فالمجتمعات لا تُبنى بالانفعال، وإنما تُبنى بسيادة القانون، واحترام الحقوق، والابتعاد عن التعميم الذي يظلم الأبرياء قبل أن يعاقب المذنبين.

زر الذهاب إلى الأعلى