السخرية… جرح لا يراه إلا صاحبه
بقلم: محمود سعيد برغش
استمعت اليوم إلى خطبة الجمعة التي خصصتها وزارة الأوقاف للحديث عن السخرية والتنمر. ولا شك أن هذا الموضوع من أهم القضايا التي تستحق أن تُطرح على المنابر، لأننا أصبحنا نعيش في زمن انتشرت فيه السخرية حتى صارت عند البعض نوعًا من التسلية، دون إدراك لما تتركه من جراح في نفوس الآخرين.
ومع تقديري لاختيار هذا الموضوع، أتمنى أن يُمنح الخطباء مساحة أوسع لاختيار القضايا التي يرونها أكثر احتياجًا لمجتمعاتهم، وفق الضوابط الشرعية، لأن الإمام الأقرب إلى الناس يكون أدرى بما يواجهه أهل منطقته من مشكلات.
لقد نهى الله سبحانه وتعالى عن السخرية فقال:
> ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [سورة الحجرات: 11]
هذه الآية لم تنه عن السخرية من الشكل فقط، بل نهت عن كل صور الاستهزاء بالناس؛ في هيئتهم، أو كلامهم، أو ملابسهم، أو فقرهم، أو منازلهم، أو أعمالهم، أو أي أمر يمس كرامتهم.
كم من إنسان ابتسم أمام الناس وهو يخفي في داخله ألمًا سببه كلمة ساخرة. وكم من طفل فقد ثقته بنفسه بسبب تنمر زملائه. وكم من شاب أو فتاة آثر العزلة لأن الآخرين جعلوا منه مادة للضحك.
إن المسلم الحقيقي يحفظ لسانه، ويزن كلماته، ويعلم أن الكلمة قد ترفع صاحبها أو تهوي به.
وقد روى الإمام مسلم أن أبا ذر رضي الله عنه عيّر بلال بن رباح رضي الله عنه بأمه، فقال له النبي ﷺ:
> «إنك امرؤ فيك جاهلية.»
فكانت رسالة واضحة بأن احتقار الناس أو الانتقاص منهم خلق يرفضه الإسلام.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم.”
فمحاسبة النفس هي الطريق إلى إصلاحها، وهي التي تمنع الإنسان من ظلم الآخرين بلسانه أو تصرفاته.
إننا جميعًا بشر، وكل واحد منا له عيوب، وكل واحد لديه مميزات. فلا يحق لأحد أن يتكبر على غيره، أو يسخر منه، أو يجعله هدفًا للاستهزاء. فقد يكون من نسخر منه اليوم أقرب إلى الله منا وأكرم عنده.
فلنجعل ألسنتنا وسيلة لبث الخير، لا لنشر السخرية، ولنتذكر دائمًا أن الكلمة مسؤولية، وأن الله سائِلُنا عنها يوم القيامة.
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
بقلم: محمود سعيد برغش








