المشهد النقابي في قطاع الصحافة والإعلام:
جذور التداخل والتأسيس لمبادرة تنظيمية توافقية
كتب / أشرف عبده
يُعتبر القطاع الصحفي والإعلامي في مصر أحد أهم ركائز القوة الناعمة، وهو مجال يتسع لملايين العاملين الذين يتنوعون ما بين صحفيين ممارسين، ومذيعين، ومُعدين، وفنيي طباعة وبث، وإداريين، وعمال خدمات معاونة. غير أن هذا التنوع أوجد على مدار عقود حالة من الزخم والتشابك بين عدة كيانات ونقابات، منها ما هو مهني رسمي، ومنها ما هو عمالي، ومنها ما ظهر ككيانات موازية أو مستقلة.
ترتب على هذا التعدد نماء حالة من التداخل التنظيمي والالتباس الميداني، أدت في كثير من الأحيان إلى صدامات ونزاعات قانونية وإدارية بين تلك الكيانات وبين “نقابة الصحفيين” باعتبارها النقابة الأم والأعرق في هذا المجال. ومن هنا تأتي أهمية قراءة هذا المشهد بعين منصفة، وطرح مبادرة توافقية جصورة تحمي المهنة وتصون حقوق العاملين بها في الوقت ذاته.
أولاً: حصر وتصنيف النقابات والكيانات في المجال الصحفي والإعلامي
يمكن تقسم المنظومة النقابية والكيانات الناشطة في هذا الفضاء إلى ثلاثة مسارات رئيسية:
النقابات المهنية الرسمية (أصحاب الترخيص والصفة)
نقابة الصحفيين: المُنشأة بالقانون رقم 76 لسنة 1970، وهي الكيان المهني المستقل والوحيد المخول قانوناً بمنح لقب “صحفي”، وتنظيم ممارسة المهنة وحمايتها وتأديب أبنائها.
نقابة الإعلاميين: المُنشأة بالقانون رقم 93 لسنة 2016، وتختص بالعاملين في الوسائل المرئية والمسموعة (التلفزيون والراديو) من مذيعين، ومعدين، ومخرجين، ومحررين إخباريين تلفزيونيين، وتمنح لقب “إعلامي”.
النقابة العمالية الرسمية (حماية الحقوق العمالية والإدارية)
النقابة العامة للعاملين بالصحافة والطباعة والإعلام والثقافة والأثار: الخاضعة لقانون النقابات العمالية رقم 213 لسنة 2017 تحت مظلة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر. وهي كيان يمثل الإداريين، والفنيين، وعمال المطابع والتوزيع، والخدمات المعاونة داخل كافة المؤسسات الصحفية والإعلامية.
النقابة المستقلة للصحفيين والإعلاميين.
نقابة الصحفيين المستقلين.
النقابة العامة للصحافة والإعلام والخدمات الثقافية.
النقابة العامة للمستشارين الإعلاميين وخبراء التنمية.
نقابة إعلاميي وصحفيي مصر.
النقابة العامة للإعلام الإلكتروني (أو نقابة الصحافة الإلكترونية المستقلة).
نقابة المراسلين الأجانب والصحفيين المستقلين.
نقابة الإعلاميين الأحرار.
الروابط والجمعيات الموازية مثل: رابطة الإعلاميين الجدد، والجمعية المصرية للصحفيين والإعلاميين.
ثانياً: أصل المشاكل والتداخلات مع “نقابة الصحفيين”
شهدت العلاقة بين نقابة الصحفيين وهذه النقابات والكيانات أزمات وتداخلات تعود لأسباب تنظيمة وشكلانية، تتمثل في الآتي:
أزمة الالتباس في بطاقات العضوية والانتحال الميداني
الخلاف مع النقابة العمالية: تجددت الأزمات نتيجة إصدار النقابة العمالية لبطاقات عضوية يُدون عليها عبارات مثل “صحافة وإعلام”، مما يدفع بعض الأعضاء من الإداريين أو الفنيين لاستخدامها في الميدان وادعاء صفة “صحفي” أمام الأجهزة الرسمية أو الأمنية. وتعتبر نقابة الصحفيين هذا الأمر تعدياً على اختصاصها الأصيل وانتحالاً لصفة مجرمة قانوناً.
أزمة الإعلام الرقمي والظهور عبر الشاشات
الخلاف مع نقابة الإعلاميين: ظهر تداخل إداري بين النقابتين حول الصحفيين المقيدين بنقابة الصحفيين والذين يقدمون برامج تلفزيونية أو فيديوهات وبث مباشر عبر المواقع والمصادر الرقمية. حيث ثار جدل حول مدى حاجتهم لاستخراج تصاريح ممارسة مهنة إضافية من نقابة الإعلاميين ودفع رسوم مزدوجة، فضلاً عن النزاع حول سلطة محاسبتهم تأديبياً في حال حدوث تجاوزات إعلامية.
تجارة الكارنيهات والكيانات الموازية
الخلاف مع النقابات المستقلة والجمعيات: خاضت نقابة الصحفيين حروباً قضائية وإعلامية ضد الجمعيات والكيانات المستقلة التي تطلق على نفسها اسم “نقابات”، نظراً لقيام بعضها ببيع كارنيهات بمسميات “محرر” أو “مستشار إعلامي” لغير المتخصصين بمقابل مادي، مما أساء لسمعة الجماعة الصحفية بأكملها وأحدث إرباكاً للأجهزة الأمنية والتنفيذية.
ثالثاً: مبادرة توافقية مبتكرة “منصة الميثاق والتحول الرقمي النقابي”
لإنهاء هذا الخلاف الممتد دون إقصاء لأي طرف ودون المساس بالشرعية القانونية التي تحميها الدولة، نطلق مبادرة جديدة كلياً بعنوان: “منصة الهوية الوطنية الموحدة للعاملين بقطاع الإعلام والصحافة”.
تعتمد هذه المبادرة على أربعة محاور عمل إدارية وتكنولوجية حديثة تُنفذ بالتنسيق بين النقابتين المهنيتين، والنقابة العمالية، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ووزارة العمل:
نظام “الترميز البصري الذكي” لبطاقات العضوية
إلزام جميع النقابات (المهنية والعمالية) بالانتقال إلى نظام بطاقات رقمية موحدة في القياسات والتأمين، مع التمييز الفوري والواضح في “اللون والأوصاف”:
بطاقات نقابة الصحفيين: تكتسي باللون “الأزرق الملكي”، ويُكتب في أعلى البطاقة بخط عريض: (نقابة مهنية – صفة الصحفي الممارس).
بطاقات نقابة الإعلاميين: تكتسي باللون “الأخضر الزيتي”، ويُكتب في أعلاها: (نقابة مهنية – صفة الإعلامي الممارس).
بطاقات النقابة العمالية: تكتسي باللون “الرمادي”، ويُكتب عليها حصراً: (نقابة عمالية – المسمى الوظيفي الصريح)، مثل: “إداري بمؤسسة صحفية” أو “فني طباعة”، مع النص صراحة على عبارة: (هذه البطاقة لحماية الحقوق العمالية ولا تمنح صاحبها صفة صحفي أو إعلامي ممارس).
تدشين “السجل الوطني الموحد” واستجابة الشفرة (QR Code)
ربط قواعد بيانات “نقابة الصحفيين” و”نقابة الإعلاميين” و”النقابة العامة للعاملين بالصحافة” في منصة إلكترونية مركزية واحدة تشرف عليها الدولة.
يحمل كل كارنيه شفرة استجابة سريعة متصلة بالمنصة، تتيح لأجهزة شرطة النجدة، والجهات الأمنية، ومسؤولي التغطيات في الهيئات والمهرجانات إمكانية مسح الكارنيه هاتفياً، ليظهر فوراً بيان رسمي يحدد نوع العضوية: (صحفي مهني / إعلامي مهني / كادر عمالي وإداري)، مما يقضي تماماً على تزوير البطاقات أو ادعاء الصفات.
إقرار “بروتوكول التداخل المزدوج” (الصحافة والإعلام)
حل الأزمة بين نقابتي الصحفيين والإعلاميين عبر بند تنظيم يسير على النحو التالي:
يُعفى الصحفي المقيد بنقابة الصحفيين من دفع أي رسوم قيد أو تصاريح شهرية لنقابة الإعلاميين حال تقديمه برنامجاً تلفزيونياً، شريطة إخطار نقابته، واقتصار الدور الإداري لنقابة الإعلاميين على إحالة أي مخالفة برامجية إلى “مجلس التأديب بنقابة الصحفيين” باعتبارها صاحب الاختصاص الأصيل في محاكمة أعضائها.
التصفية الإدارية والحظر الكامل للكيانات الوهمية
إصدار قرار وزاري مشترك بين وزارتي التضامن الاجتماعي والعمل بالمظلة القانونية، يمنع نهائياً إشهار أي جمعية أهلية أو مؤسسة مدنية تحمل كلمة “نقابة” أو “إعلاميين” أو “صحفيين” في مسماها.
الملاحقة القانونية العاجلة لأي كيان يمنح بطاقات تحمل القاباً صحفية بالمخالفة للقانون، مع فتح الباب أمام الراغبين في العمل الشريف من الموهوبين للانضمام للدورات التدريبية المعتمدة بنقابة الصحفيين أو الإعلاميين لتقنين أوضاعهم وفق الضوابط القانونية الصحيحة.
كلمة ختامية
إن جميع العاملين في منظومة الصحافة والإعلام—من صحفي يكتب الخبر، ومذيع ينقل الحدث، إلى فني يُدير أجهزة البث وعامل يطبع المادة الصحفية—هم شركاء في بناء وعي المجتمع. والحل لمشاكل التداخل النقابي لن يكون بالصراع أو بإلغاء جهود الآخرين، بل بالتحديد الصارم والشفاف للاختصاصات.
إن تطبيق مبادرة “الهوية الوطنية الموحدة” يضمن لنقابة الصحفيين حماية هويتها ومهنتها التاريخية، ويضمن للنقابة العمالية حماية حقوق أبنائها الإداريين والفنيين، ويضمن للدولة وأجهزتها الأمنية استقرار المشهد الإعلامي وخلوه من الأدعياء والكيانات الوهمية.








