صدى مصرمقالاتمنوعات

عناقٌ لا يُرى… لكنه يُشعر القلب بالأمان

عناقٌ لا يُرى… لكنه يُشعر القلب بالأمان

 

بقلم / ممدوح عكاشة

ليست كل الأحضان تُرى بالعين، فهناك عناقٌ لا تلمسه الأيدي، ولا تستطيع الصور أن توثّقه، لكنه يصل إلى القلب في اللحظة التي يكون فيها الإنسان في أشد احتياجٍ إليه.

قد يكون هذا العناق كلمةً دافئة تأتي في وقتها، أو سؤالًا صادقًا من شخص يقول لك: «أنت بخير؟» وهو يريد فعلًا أن يعرف الإجابة. وقد يكون رسالة قصيرة من إنسان غاب طويلًا، لكنها تُشعرك بأن مكانك في قلبه لم يتغير.

هناك أشخاص لا يحتاجون إلى كثير من الكلام حتى نشعر معهم بالأمان. يكفي أن يكونوا موجودين، أن نسمع أصواتهم، أو نقرأ كلماتهم، فنشعر أن شيئًا بداخلنا قد هدأ.

بعض الناس لا يلمسون أيدينا، لكنهم يلمسون أرواحنا.

وهذا هو أجمل أنواع العناق؛ عناق المشاعر الصادقة، حين تجد شخصًا يفهم صمتك قبل كلامك، ويشعر بتعبك دون أن تشتكي، ويعرف أنك لست بحاجة إلى النصائح بقدر حاجتك إلى أن يقول لك: «أنا بجانبك.»

فكم من إنسان كان يضحك أمام الناس، بينما بداخله ألف وجع، ولم يكن يحتاج إلا إلى شخص واحد يربت على قلبه بكلمة طيبة.

وكم من كلمة قيلت في لحظة عابرة، لكنها بقيت في الذاكرة سنوات طويلة.

قد يقول لك أحدهم:

«ربنا يطمن قلبك.»

فتشعر أن الدعاء جاء في اللحظة التي كنت تحتاجه فيها.

وقد يقول لك آخر:

«وحشتني.»

فتكتشف أن هذه الكلمة الصغيرة أعادت إلى قلبك شعورًا افتقدته منذ زمن.

وقد يقول لك شخص:

«أنا فاهمك.»

فتشعر للمرة الأولى أنك لست مضطرًا لأن تشرح نفسك لأحد.

لذلك لا تستهينوا بالكلمات الجميلة، ولا تبخلوا بها على من تحبون.

الكلمة الطيبة ليست مجرد حروف تُقال، وإنما قد تكون طوق نجاة لإنسان يوشك على الغرق في حزنه.

أحيانًا يكون الإنسان متعبًا من الحياة، لا يريد مالًا ولا هدية ولا حلولًا لمشكلاته، وإنما يريد قلبًا يشعر به، وأذنًا تسمعه، ووجودًا يطمئنه بأنه ليس وحيدًا.

هناك أناس يدخلون حياتنا كأنهم رسائل من الله، لا يملكون أن يغيروا العالم من حولنا، لكنهم يستطيعون أن يجعلوا وجودنا فيه أكثر احتمالًا.

وهناك أناس يرحلون، لكنهم يتركون وراءهم أثرًا لا يرحل.

نفتقد أصواتهم، ضحكاتهم، كلماتهم، وحتى التفاصيل الصغيرة التي كنا نظنها عادية. ثم نكتشف بعد رحيلهم أن تلك التفاصيل كانت جزءًا من أماننا وسعادتنا.

وأصعب ما في الفقد، أنك لا تفتقد الشخص فقط، بل تفتقد الشعور الذي كان يمنحك إياه.

تفتقد ذلك العناق الذي لم يكن يحتاج إلى ذراعين، وتلك الطمأنينة التي كانت تأتي بمجرد وجوده.

لهذا، لا تنتظر مناسبة حتى تقول لمن تحب: «أحبك»، ولا تنتظر أن يمرض أو يرحل حتى تقول له: «وجودك مهم في حياتي.»

احتضنوا أحبابكم بالكلمات قبل أن يصبح الاحتضان ذكرى.

قولوا لمن تحبون إنكم تقدرونهم، اشكروهم، اسألوا عنهم، وكونوا بجانبهم في الأيام التي لا يستطيعون فيها أن يطلبوا المساعدة.

فالحياة أقصر من أن نؤجل المشاعر الجميلة.

فربما تكون كلمة منك اليوم هي العناق الذي يحتاجه قلب إنسان كي يكمل يومه… وربما تكون أنت الشخص الذي ينتظر منه أحدهم هذا العناق منذ زمن.

وفي النهاية…

ليس أجمل من إنسانٍ يمنحك الأمان دون أن يطلب منك شيئًا، ويحتويك دون أن يحاصرك، ويطمئن قلبك بمجرد أن يكون موجودًا.

فهناك عناق لا يُرى…

لكنه يصل إلى أعمق مكان في الروح.

زر الذهاب إلى الأعلى