أعظم أسباب ذلة المسلمين
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله على ما أعطى واجزل نحمده تبارك وتعالى حمد العارفين الشاكرين الطالبين لمزيد فضله والصلاة على إمام العارفين وسيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد اعلموا يرحمكم الله أنه كلما كان مال الإنسان أكثر كان إستمتاعه بالملذات أكثر، وكان حبه للدنيا أقوى وأمكن، وحينئذ يتنافس الناس على الدنيا، ويعطلون الفرائض من أجلها، ويرتكبون المحرمات في سبيلها، وكراهية الموت ما كانت إلا بسبب ضعف الإيمان في مسألة الأجل، ومن ثم يتولى الإنسان حفظ نفسه من الموت بالإبتعاد عن مظانه، ولو كان في سبيل الله تعالى وهو ميت لا محالة، ولما كانت أكثر جموع المسلمين على هذه الحالة من الجزع على الرزق، والخوف من الأجل كانوا غثاء كغثاء السيل، وما عاد أعداؤهم يحسبون لهم حسابا.
فلا مهابة في قلوبهم منهم، وإن من أعظم أسباب ذلة المسلمين في العصور المتأخرة هو الخلل في فهم قضيتي الرزق والأجل، أو ضعف الإيمان بهاتين المسألتين المهمتين، ولكي يضع المسلم هاتين القضيتين في إطارهما الصحيح فعليه أن يفهم أن الآجال والأرزاق بيد الله تعالى وحده، فقضية الرزق من حيث الإيمان به جزء مهم من الإعتقاد في الله تعالى، فالله سبحانه تكفل للخلق بالرزق مهما كانوا وأينما كانوا، مسلمين أو كافرين، كبارا أو صغارا، رجالا أو نساء، إنسا وجنا، طيرا وحيوانا، قويا وضعيفا، عظيما وحقيرا، ولقد حذرنا النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم من أن تتعلق قلوبنا بتحصيل أرزاقنا فننسى الله سبحانه وتعالى والدار الآخرة، ونُشغل عن العمل الصالح بالجمع والتحصيل، والعد والتنمية.
ولربما شحت نفوسنا عن أداء حق الله تعالى في أموالنا، أو امتدت أيدينا إلى ما لا يحل لنا فنكون كالذي يأكل ولا يشبع، ويجمع ولا ينتفع، ونعوذ بالله من نفوس لا تشبع، ومن قلوب لا تخشع، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا قد أمرتكم به ولا عمل يقرب إلى النار إلا قد نهيتكم عنه لا يستبطئن أحد منكم رزقه أن جبريل عليه السلام ألقى في روعي أن أحدا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه فاتقوا الله أيها الناس واجملوا في الطلب فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية الله فإن الله لا ينال فضله بمعصية” فإنه يخطئ في فهم الحياة رجلان، أحدهما يظن أن المال فقط هو الرزق، والآخر يرى أن من حرم المال في الدنيا فقد حرم كل شيء.
والحق أن الرزق هو أعم وأشمل من أن نقصره على المال، مع الإعتراف بقيمة ومكانة المال في الحياة وأنه عصب الحياة، وأنه لا تقوم الحياة إلا به، ولكن رغم كل ذلك لا يستطيع المال بمفرده أن يجلب السعادة للإنسان، بل ربما يقف المال عاجزا لا يستطيع أن يسعف الإنسان ولا أن ينقذه مما هو فيه، ومن هنا فيمكن القول بأن الرزق نوعان ظاهر جلى كالمال والمأكل والمشرب والملبس والمسكن وغيرها، وآخر خفى لا يراه الناس بأعينهم، ولكنه أهم ألف مرة ومرة من الرزق الظاهر الملموس المحسوس، مثل البركة، والستر، والصحة والعافية والرضا والسكينة وطمأنينة النفس وراحة البال، ولكن هناك أسبابا ومفاتيح إن اتبعها الإنسان وسلك مسالكها، نال وحظي بالرزق الخفي، ومن هذه الأسباب هو تقوى الله عز وجل.
فتقوى الله خير ما يعين المسلم على تحصيل الرزق الخفي، وكذلك التوكل على الله، فمن توكل على الله كفاه وأغناه وأرضاه، وأيضا الاستغفار حيث يعد الاستغفار أيها المسلمون من أهم أسباب الرزق الخفي والجلي على حد سواء، وكذلك أيضا صلة الأرحام، فإن صلة الرحم من أهم أسباب ومفاتيح الرزق والبركة فيه، وكذلك البعد عن المعاصي والذنوب، وإن الله سبحانه وتعالى قد تكفل هو بنفسه برزق العباد ولم يعهد به إلى أحد من خلقه، والرزق الخفي أيها المسلمون لا يقدر ولا يقوم بأموال الدنيا كلها وهل بعد طمأنينة النفس وهدوء الروح وسكون القلب وراحة البال من رزق؟ فاطمئن، فالرزاق هو الله، ونم قرير العين لأن ربك ورازقك هو الله.







