حين ماتوا أقيمت السرادقات فأين كنتم حين كانوا يبحثون عن لقمة العيش؟
كتب/ أشرف عبده
هناك مشاهد لا تحتاج إلى كثير من الكلام حتى تفضح واقعًا كاملًا.
سرادقات عزاء تقام، وكاميرات تلتقط الصور، ومسؤولون وشخصيات عامة يقفون في الصفوف الأولى، وتصريحات عن التضامن والمواساة والوقوف إلى جوار أسر الضحايا.
وكل ذلك واجب إنساني لا يختلف عليه اثنان.
لكن هناك سؤالًا أكثر قسوة من الموت نفسه:
أين كنتم قبل أن يموتوا؟
أين كانت هذه الوجوه التي ظهرت اليوم في العزاء، عندما كان هؤلاء العمال يخرجون من قراهم ومدنهم، ويتنقلون بين المحافظات بحثًا عن يومية تسد جوع أسرة؟
أين كانت مؤسسات الرعاية والحماية والرقابة عندما كان العامل البسيط يضطر إلى ركوب وسيلة نقل للعمال، والسفر عشرات الكيلومترات، والعمل في ظروف لا يعرف كثيرون عنها شيئًا، فقط لأنه يريد أن يعود في نهاية اليوم ببضعة جنيهات يضعها في يد زوجته وأطفاله؟
أين كنتم عندما كان هؤلاء أحياء؟
هذه ليست دعوة لرفض العزاء، ولا اعتراضًا على مواساة أسر الضحايا.
بل العكس.
العزاء الحقيقي ليس سرادقًا يقام بعد الكارثة.
العزاء الحقيقي كان يجب أن يبدأ قبل أن تقع الكارثة.
كان يجب أن يكون في توفير عمل كريم، ونقل آمن، وتأمين اجتماعي، ورقابة حقيقية على العمالة غير المنتظمة، وحماية للأطفال من أن يتحول الفقر إلى بوابة إجبارية للعمل، ومحاسبة كل من يستهين بحياة العامل لأنه فقير ولا يملك صوتًا ولا نفوذًا.
هؤلاء لم يظهروا فجأة يوم الحادث
بحسب التغطيات الصحفية للحادث، خرج الضحايا بحثًا عن الرزق، وفقدت قرية الملاك وبحر البقر عددًا من أبنائها في هذه المأساة.
وهنا يجب أن نتوقف طويلًا.
فالعامل الفقير ليس رقمًا يظهر في نشرات الأخبار عندما يموت.
وليس مواطنًا موسميًا يظهر في المشهد العام فقط عندما تتحول جنازته إلى خبر.
هذا الإنسان كان موجودًا قبل الحادث.
كان له بيت.
وكان له أطفال.
وكان له أم وأب وزوجة وإخوة.
وكان له أحلام مؤجلة.
وكان يستيقظ كل صباح ليبحث عن فرصة عمل.
فمن كان يسأل عنه وقتها؟
من كان يبحث عن هذه الأسرة قبل أن تتحول إلى أسرة مكلومة؟
من كان يسأل لماذا يسافر العامل من محافظة إلى أخرى في ظروف قد تكون غير آمنة؟
ومن كان يراقب وسيلة نقل العمال؟
ومن كان يتأكد من تطبيق اشتراطات السلامة؟
ومن كان يراقب تشغيل القصر إن ثبت وجود أطفال بين العمال؟
ومن كان يسأل عن هؤلاء الذين يعيشون على هامش سوق العمل الرسمي؟
الأطفال ليسوا قوة عمل رخيصة
وإذا ثبت أن بين العمال أطفالًا، فهنا لا ينبغي أن تمر المسألة باعتبارها مجرد ظاهرة اجتماعية أو نتيجة للفقر.
الطفل ليس عاملًا صغيرًا.
والفقر لا يلغي حقه في الطفولة.
القانون المصري نفسه وضع ضوابط واضحة لتشغيل الأطفال وحمايتهم. فقانون العمل رقم 14 لسنة 2025 يحظر تشغيل الأطفال قبل بلوغ السن المقررة قانونًا، وينظم التدريب والعمل لمن هم في سن يسمح به القانون، ويحظر تشغيل الأطفال في الأعمال التي تعرض صحتهم أو سلامتهم أو أخلاقهم للخطر أو تعوق استمرارهم في التعليم.
كما يضع قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته حماية خاصة للطفل العامل، ويحظر تشغيل الأطفال في الأعمال التي يمكن أن تعرض صحتهم أو سلامتهم أو أخلاقهم للخطر.
إذن السؤال ليس فقط:
لماذا خرج الطفل ليعمل؟
بل السؤال الأهم:
أين كانت أجهزة الرقابة والحماية عندما أصبح عمل الطفل أمرًا ممكنًا ومرئيًا؟
وإذا كان الطفل يخرج من قريته إلى محافظة أخرى للعمل، فالمسألة تصبح أكثر خطورة، لأننا لا نتحدث فقط عن طفل حرم من التعليم والطفولة، وإنما عن ضرورة فحص ظروف نقله وتشغيله ومن يقف وراء هذا التشغيل ومدى مطابقته للقانون.
القانون لا يكتفي بالتحذير بل يجرم الاستغلال
وهنا نصل إلى قضية أخطر، وهي الاتجار بالبشر والاستغلال الاقتصادي للضعفاء.
القانون المصري رقم 64 لسنة 2010 بشأن مكافحة الاتجار بالبشر وضع إطارًا قانونيًا لمواجهة استغلال الأشخاص، ومن صور الاستغلال التي يتناولها القانون السخرة والخدمة قسرًا والاسترقاق والممارسات الشبيهة بالرق، كما يتضمن حماية خاصة للأطفال.
لكن يجب أن نقول بوضوح:
ليس كل تشغيل غير قانوني لطفل أو كل نقل للعمال يعد تلقائيًا جريمة اتجار بالبشر.
وإنما السؤال المشروع الذي يجب أن تطرحه التحقيقات هو:
هل كان هناك استغلال لحاجة هؤلاء العمال؟
هل كانت هناك وساطة أو تشغيل أو نقل خارج الإطار القانوني؟
هل كانت هناك عمالة أطفال؟
هل كان هناك إجبار أو استغلال لحالة ضعف أو حاجة؟
هل كانت ظروف العمل والنقل تتوافق مع القانون؟
ومن المسؤول عن الرقابة؟
هذه أسئلة لا يجوز أن يدفنها الحزن، ولا أن يغطي عليها سرادق عزاء.
القوانين الدولية ليست شعارات للاحتفالات
مصر ليست بلا التزامات دولية في هذا الملف.
فقد صدقت مصر على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 138 بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام، وعلى الاتفاقية رقم 182 بشأن حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال والإجراءات الفورية للقضاء عليها.
كما أن اتفاقية حقوق الطفل تلزم الدول بحماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي ومن العمل الذي قد يكون خطرًا أو يعوق تعليمه أو يضر بصحته ونموه، وتلزمها بوضع حد أدنى لسن العمل وتنظيم ساعات العمل وظروفه وفرض العقوبات المناسبة لضمان تنفيذ هذه الحماية.
كما تتضمن الاتفاقية التزام الدول باتخاذ التدابير المناسبة لمنع اختطاف الأطفال أو بيعهم أو الاتجار بهم لأي غرض.
إذن نحن أمام منظومة كاملة من القوانين والاتفاقيات.
المشكلة ليست دائمًا في غياب النصوص.
المشكلة في السؤال الأصعب:
هل تطبق هذه النصوص على الفقير كما تكتب على الورق؟
لا تتذكروا الفقراء عندما يموتون فقط
المؤلم أن بعض الفئات المهمشة لا تدخل دائرة اهتمام المجتمع إلا عندما تتحول مأساتها إلى صور.
العامل البسيط لا يجد من يسأل عنه وهو حي.
والطفل الذي يعمل لا يلتفت إليه أحد وهو يحمل أدوات العمل.
والأسرة التي تعيش على دخل يومي لا تجد كثيرًا من أبواب الرعاية مفتوحة أمامها.
أما عندما تقع الكارثة، فتظهر فجأة الكلمات الكبيرة:
نحن معكم.
لن نترككم.
نقدم واجب العزاء.
نقف بجوار أسر الضحايا.
وكلها كلمات طيبة إن صدقت.
لكن أين كان هذا الوقوف قبل أن تتحول الأسر إلى أسر ثكلى؟
أين كانت برامج الحماية؟
أين كانت الرقابة؟
أين كانت التفتيشات؟
أين كانت حماية العمالة غير المنتظمة؟
أين كانت حماية الأطفال؟
أين كانت وسائل النقل الآمنة؟
أين كانت الدولة والمجتمع ورجال الأعمال وأصحاب النفوذ وأهل الخير؟
هل يجب أن يموت الإنسان أولًا حتى يصبح جديرًا باهتمامنا؟
سرادق العزاء ليس إنجازًا
ومن هنا نقول لكل من يذهب إلى العزاء:
اذهب.
واسند أهل الضحايا.
واقض حاجتهم.
وادفع عنهم مصاريف الحياة.
وساعد أبناءهم.
وتكفل بتعليم الأطفال.
وابحث عن عمل لأسرهم.
وطالب بمحاسبة المسؤول عن أي تقصير.
أما أن يتحول العزاء إلى مناسبة لالتقاط الصور وإظهار البر والتقوى أمام الكاميرات، فهنا يجب أن نقول:
رحم الله من كان صادقًا في مواساته، أما من جعل من أحزان الفقراء منصة للظهور، فليتذكر أن هؤلاء لم يكونوا بحاجة إلى صوركم وهم أحياء بقدر حاجتهم إلى أفعالكم.
إنفاق المال على سرادق فاخر قد يصنع صورة جميلة.
لكن إنقاذ أسرة من الفقر يصنع حياة.
تقديم واجب العزاء قد يستغرق ساعة.
لكن توفير فرصة عمل كريمة قد ينقذ أسرة كاملة لسنوات.
نشر صورة أمام الكاميرات لا يغير شيئًا في مصير طفل.
أما أن تمنع طفلًا من أن يتحول إلى عامل، وتعيده إلى المدرسة، وتحمي أسرته من الفقر، فذلك هو العمل الذي يستحق أن يسمى إحسانًا.
نريد تحقيقًا لا موسم صور
المطلوب الآن ليس فقط معرفة كيف وقع التصادم.
المطلوب أن تمتد التحقيقات إلى منظومة تشغيل ونقل العمال كاملة.
من شغل هؤلاء؟
من نقلهم؟
ما أعمار جميع العمال؟
هل كان بينهم أطفال؟ وما أعمارهم تحديدًا؟
ما طبيعة الأعمال التي كانوا يؤدونها؟
هل كانت هناك عقود أو سجلات أو تصاريح حيث يلزم؟
هل كانت وسيلة النقل مستوفية لاشتراطات السلامة؟
هل كان هناك إشراف ورقابة؟
هل وقعت مخالفات سابقة؟
وهل وصلت شكاوى أو بلاغات إلى أي جهة ولم يتم التعامل معها؟
هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تمنع تكرار المأساة.
أما الاكتفاء بالصور والسرادقات، فلن يعيد إنسانًا واحدًا إلى أسرته.
الرحمة الحقيقية تبدأ قبل الكارثة
لا نريد أن نعيش في مجتمع يتذكر الفقير عندما يموت، والطفل عندما يستغل، والعامل عندما يتحول إلى جثمان.
نريد مجتمعًا يرى هؤلاء قبل الكارثة.
نريد دولة تطبق قوانينها قبل أن تسجل أسماء الضحايا.
نريد رقابة تمنع الخطر قبل أن تتحول المخالفة إلى مأساة.
نريد حماية للأطفال قبل أن يحملوا أدوات العمل.
نريد أن تكون كرامة العامل حقًا يوميًا، لا عنوانًا في خبر بعد وفاته.
ولكل من يقف اليوم أمام سرادق عزاء:
لا تسأل فقط:
ماذا أقدم لأسرة الضحية؟
اسأل نفسك أيضًا:
ماذا فعلت قبل أن يصبح هذا العامل ضحية؟
ولكل مسؤول:
لا تنتظروا الكارثة لكي تكتشفوا الفقراء.
ولكل صاحب عمل:
العامل الذي أمامك ليس قطعة غيار.
إنه إنسان له أسرة تنتظره.
ولكل من يرفع شعار الرحمة والتقوى:
الرحمة ليست صورة أمام الكاميرا.
والإحسان ليس سرادقًا.
والتقوى ليست منشورًا.
والبر الحقيقي أن تحمي الإنسان قبل أن يصبح خبرًا في صفحات الحوادث.
هؤلاء العمال لم يخرجوا من بيوتهم طلبًا للشهرة.
خرجوا بحثًا عن لقمة العيش.
فلا تجعلوا موتهم فرصة للشهرة.
اجعلوا موتهم بداية لمحاسبة حقيقية، وحماية حقيقية، وتشريع يطبق، وكرامة تصان.
رحم الله الضحايا، وألهم أهلهم الصبر.
لكن الرحمة بهم لا تكتمل بالدعاء لهم فقط، بل بمنع تكرار ما حدث لغيرهم.







