بقلم: ناصر السلاموني
عندما نتأمل تاريخ إسرائيل منذ قيامها، نجد نهجًا عامًا ظل حاضرًا في سياساتها، ألا وهو حماية مصالحها، وتوسيع نفوذها، وفرض وقائع جديدة على الأرض، ثم التعامل مع الاعتراضات الدولية باعتبارها عقبات سياسية يمكن تجاوزها.
وقد ظهر هذا النهج بصورة واضحة في استمرار الاستيطان ومصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات وتقطيع أوصال الضفة الغربية، بما يجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة أكثر صعوبة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في يوليو 2024 عدم مشروعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما تناولت بصورة واضحة سياسات الاستيطان والضم ومصادرة الأراضي والتهجير القسري.
ولا يتوقف الأمر عند الأرض، وإنما يمتد إلى الإنسان ومصادر رزقه؛ فهناك تقارير وشهادات متواصلة بشأن الاستيلاء على الأراضي والمزارع والممتلكات والمساكن، وإخلاء فلسطينيين من بيوتهم أو أراضيهم، ثم تمكين مستوطنين إسرائيليين من استخدامها أو السكن فيها. وقد أشارت محكمة العدل الدولية نفسها إلى الإخلاءات القسرية وهدم المنازل والقيود على الإقامة والحركة باعتبارها من مكونات السياسات الإسرائيلية محل نظرها.
كما تتزايد الاعتقالات التي تطال فلسطينيين من مختلف الفئات، بما في ذلك الشباب والأطفال والنساء، الأمر الذي يجعل قضية المعتقلين جزءًا أساسيًا من أي حديث جاد عن السلام. ولا يمكن أن يكون هناك سلام حقيقي بينما يبقى مصير آلاف المعتقلين خارج دائرة الرقابة الدولية.
والقدس والمسجد الأقصى يمثلان جانبًا آخر من الصراع على الأرض والهوية. فاقتحامات المستوطنين والمتطرفين لباحات المسجد، وإقامة طقوس يهودية داخله أو في ساحاته، بالتزامن مع فرض قيود على وصول المسلمين إليه في أوقات مختلفة، تثير مخاوف فلسطينية وعربية ودولية من تغيير الوضع القائم في أولى القبلتين وثالث الحرمين.
وهنا لا بد من التوقف أمام فكرة «إسرائيل الكبرى» التي ترددها التيارات الإسرائيلية المتطرفة، وما ارتبط بها من خرائط وشعارات وأفكار توسعية. وقد أثارت خريطة عرضها نتنياهو في الأمم المتحدة عام 2023 جدلًا واسعًا، بعدما ظهرت فيها الأراضي الفلسطينية ضمن التصور الإسرائيلي للمنطقة.
وليس من الصعب الربط بين هذه التصورات وبين ما يحدث على الأرض من استيطان وتوسع وفرض أمر واقع؛ فحين تتحول السيطرة العسكرية والاستيطانية إلى واقع دائم، يصبح السؤال أكبر من مجرد حدود مؤقتة، ويتعلق بمستقبل الأرض الفلسطينية نفسها.
وإذا انتقلنا إلى التعليم والتنشئة، فإن الإعداد العسكري المبكر للشباب الإسرائيلي أمر معلن، ومن أمثلته برامج مثل «غادنا»، التي تربط طلاب المدارس بالتدريب العسكري والاستعداد للخدمة في الجيش. كما أن خطاب الكراهية والتحريض ضد العرب والفلسطينيين ليس مجرد قضية هامشية، بل ملف يستحق الفحص والمساءلة كلما ظهرت مواد أو تصريحات تحرض على العداء أو نزع الإنسانية عن الطرف الآخر.
والمفارقة أن إسرائيل استطاعت إقامة علاقات سلام وتطبيع مع عدد من الدول العربية، وتبعتها علاقات في مجالات التجارة والسياحة والتكنولوجيا والتعليم وغيرها. لكن الخطر ظهر عندما تحول التطبيع إلى بديل عن حل القضية الفلسطينية، فأصبحت العلاقات مع إسرائيل طبيعية، بينما بقي الاحتلال والاستيطان والتهجير دون حل.
والتاريخ يؤكد أن قضايا الحدود والقدس والاستيطان والسيادة ظلت دون حل نهائي، رغم العديد من الاتفاقيات والقرارات الدولية. ومن هنا فإن المشكلة ليست في توقيع الاتفاق وحده، وإنما في وجود آلية ملزمة لتنفيذه ومحاسبة من يخرقه.
وهذا يقودنا إلى اتفاق غزة الحالي. فوجود مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة كضامنين أو وسطاء لا يكفي وحده؛ لأن الضامن السياسي ليس بالضرورة قوة تنفيذية قادرة على إجبار الطرف المخالف على تنفيذ ما وافق عليه.
وهنا تظهر المسؤولية الأمريكية بصورة خاصة. فالولايات المتحدة ليست دولة عاجزة عن التأثير في إسرائيل؛ فهي الحليف الأقوى لها، وتمتلك أدوات سياسية وعسكرية واقتصادية ودبلوماسية هائلة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي هو: هل تستخدم أمريكا كامل نفوذها لإلزام إسرائيل بما وافقت عليه؟
إن السؤال لا يتعلق بالقدرة الأمريكية، وإنما بالإرادة السياسية. فالولايات المتحدة قادرة، إذا أرادت، على استخدام المساعدات والدعم العسكري والغطاء الدبلوماسي والعلاقات السياسية للضغط على إسرائيل.
ويكتسب هذا السؤال أهمية أكبر عند النظر إلى الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن. فقد استخدمت الولايات المتحدة الفيتو مرارًا في قضايا تتعلق بفلسطين وإسرائيل وغزة. ففي فبراير 2024، عرقلت واشنطن مشروع قرار كان يطالب بوقف إنساني فوري لإطلاق النار في غزة، كما استخدمت الفيتو في نوفمبر 2024 ضد مشروع قرار دعا إلى وقف فوري ودائم وغير مشروط لإطلاق النار.
والفيتو لا يمنح إسرائيل حصانة قانونية، لكنه يمثل عمليًا أحد أهم أشكال الحماية الدبلوماسية التي حالت في حالات عديدة دون صدور قرارات من مجلس الأمن يمكن أن تزيد الضغط عليها.
وهنا تظهر أزمة النظام الدولي بوضوح: القانون موجود، والقرارات موجودة، والمحاكم الدولية موجودة، لكن التنفيذ يتوقف أحيانًا أمام موازين القوة والفيتو السياسي.
فالمشكلة ليست في غياب القواعد، وإنما في غياب القدرة أو الإرادة على تطبيقها على الأقوياء كما تُطبق على غيرهم. ولذلك فإن العالم يستطيع تكوين موقف دولي موحد، لكنه يحتاج إلى الانتقال من بيانات الإدانة إلى آليات تنفيذ.
أما خارطة الطريق التي طرحها ترامب، وما يرتبط بها من «مجلس السلام»، وإدارة فلسطينية انتقالية، وقوة استقرار دولية، وإعادة إعمار، ونزع تدريجي للسلاح، فهي محاولة للانتقال من مجرد وقف القتال إلى إعادة تشكيل الوضع السياسي والأمني في غزة. لكن نجاحها سيتوقف على قدرتها على التعامل مع الطرف الذي يرفض التنفيذ، وليس فقط مع الطرف الذي يوافق عليه.
والحل المنطقي هو تنفيذ متبادل ومتدرج: نزع سلاح تدريجي، وانسحاب إسرائيلي تدريجي، ووقف العمليات، ورقابة دولية، وانتقال الإدارة إلى جهة فلسطينية مدنية، بحيث لا يتحول الاتفاق إلى أداة لنزع سلاح طرف واحد مع إبقاء الاحتلال أو السيطرة العسكرية على الأرض.
ويبقى ملف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين من أكثر الملفات التي يجب ألا تُهمش. فالسلام لا يمكن أن يكون مجرد وقف لإطلاق النار بينما يبقى مصير المعتقلين مجهولًا.
والأخطر أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تؤكد أنها لم تتمكن من زيارة المعتقلين الفلسطينيين في أماكن الاحتجاز الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، رغم مطالبتها المتكررة بالحصول على معلومات عن أماكن وجودهم واستئناف الزيارات.
وهذا الوضع يطرح سؤالًا خطيرًا: كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يتحدث عن حقوق الإنسان وسيادة القانون، بينما لا تستطيع مؤسسة إنسانية دولية مستقلة الوصول إلى المعتقلين والتحقق من أوضاعهم؟
ولا يمكن فصل كل ذلك عن الضفة الغربية. فإذا توقفت الحرب في غزة بينما استمرت مصادرة الأراضي والاستيطان والاعتقالات وهدم المنازل والتهجير في الضفة، فلن يكون ذلك سلامًا شاملًا، وإنما تجميدًا لجبهة وترك الجبهة الأخرى مفتوحة.
وهنا يبرز سؤال ازدواجية المعايير: لماذا يختلف رد فعل المجتمع الدولي من حالة إلى أخرى؟ ولماذا تتحول بعض حالات الاحتلال إلى عقوبات وضغوط دولية واسعة، بينما يستمر الاحتلال الإسرائيلي لعقود رغم القرارات الدولية المتراكمة؟
القضية في تطبيق معيار واحد على الجميع. فإذا كان الاحتلال غير مشروع عندما تقوم به دولة، فيجب أن يكون غير مشروع عندما تقوم به دولة أخرى. وإذا كان استهداف المدنيين أو تهجيرهم أو مصادرة أراضيهم جريمة أو انتهاكًا للقانون الدولي في مكان ما، فلا يجوز أن يصبح الأمر مقبولًا في مكان آخر بسبب التحالفات السياسية.
ومع ذلك، تظل مصر في موقع استثنائي؛ بحكم موقعها الجغرافي، ودورها التاريخي، وخبرتها الطويلة في الوساطة، وعلاقتها المباشرة بقطاع غزة. ولذلك فإن دورها لا ينبغي أن يقتصر على الوساطة في وقف إطلاق النار، وإنما يجب أن يمتد إلى حماية القضية الفلسطينية من التحول إلى مجرد ملف إنساني، وإبقائها قضية سياسية وقانونية تتعلق بالاحتلال وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
وفي النهاية، فإن القضية الفلسطينية لا تعاني نقصًا في الاتفاقيات، ولا في القرارات، ولا في مبادرات السلام؛ وإنما تعاني من أزمة تنفيذ








