مقالاتمنوعات

​القمامة.. اختبار لمنظومة التنمية “

​القمامة.. اختبار لمنظومة التنمية “

 

​بقلم: أ/ هبة شاهين – الإسكندرية

​عندما ننظر إلى كيس القمامة، نراه غالبًا شيئًا يجب التخلص منه. لكن التنمية تنظر إليه بصورة مختلفة: مادة يمكن فرزها، وإعادة تدويرها، وتشغيل عمالة حولها، وتحويل جزء منها إلى قيمة اقتصادية.

​من هنا تكتسب تجربة الإسكندرية في التعامل مع ظاهرة «النباشين» —من «النباش» إلى العامل الرسمي.. هل تستطيع مصر تحويل أزمة المخلفات إلى اقتصاد منتج؟— أهمية تتجاوز مجرد تنظيف الشوارع. فالمحافظة بدأت بالفعل مسارًا لدمج جامعي المخلفات غير الرسميين في منظومة المشاركة المجتمعية التابعة لشركة «نهضة مصر»، وتسليم من تم ضبطهم خلال الحملات عقود عمل جديدة، في محاولة لتحويل نشاط كان يتم بصورة عشوائية إلى عمل منظم داخل المنظومة.

​وهنا تبدأ الفكرة الأهم: التنمية لا تعني فقط أن تمنع السلوك الخاطئ، وإنما أن تقدم بديلًا اقتصاديًا وقانونيًا أفضل.

​لكن التجربة كشفت في الوقت نفسه عن تحدٍ آخر: تعارض المصالح. فجامع المخلفات غير الرسمي لديه مصلحة اقتصادية في بعض المواد ذات القيمة، بينما تحتاج منظومة النظافة إلى أن تصل المخلفات إلى مسارها المحدد للفرز والتدوير. وقد ظهر هذا التعارض في تصريحات نقيب الزبالين بشأن مشروعات جمع البلاستيك والعبوات المعدنية، باعتبارها مصدر دخل للعاملين، مع تحذيره من أن استمرار أحد هذه المشروعات قد يؤدي إلى توقفهم عن جمع القمامة.

​وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال: من ينتصر؟ بل: كيف نصمم منظومة لا تجعل مصلحة طرف مرتبطة بفشل طرف آخر؟

​الحل في المنظومة.. لا في الشخص

​إذا أصبح العامل جزءًا من المنظومة الرسمية، وحصل على أجر واضح، وفي الوقت نفسه حصلت الجهة المسؤولة على حق إدارة المواد القابلة للتدوير وفق قواعد معلنة، يمكن أن يتحول الصراع على «الكانز والبلاستيك» إلى سلسلة اقتصادية يستفيد منها الجميع.

​لكن حتى أفضل منظومة لن تنجح إذا ظل المواطن يخلط كل المخلفات معًا، أو يلقيها في الشارع، أو يتعامل مع جامع غير رسمي خارج المسار المحدد. فالمواطن ليس متلقيًا للخدمة فقط؛ هو أول نقطة في سلسلة النظافة.

​هل لو طبقت التجربة في كل المحافظات تنتهي أزمة القمامة؟ ليس بالضرورة، لأن «النباشين» جزء من المشكلة وليس كل المشكلة.

​النجاح يحتاج إلى:

¤​ جمع منتظم

¤​ فرز منظم

¤​ تدوير

¤​ تشغيل رسمي

¤ ​رقابة وبنية تحتية

¤ ​مسؤولية واضحة ومواطن متعاون

​وهذا ما يجعل تجربة الإسكندرية جديرة بالمتابعة؛ فقد شهدت المحافظة خلال الأشهر الماضية حملات مشتركة لمواجهة الظاهرة ورفع المخلفات، بالتوازي مع البحث عن حلول أكثر استدامة من المواجهة الأمنية وحدها.

​رسالة نوعية

​القمامة ليست مجرد مشكلة نظافة.. إنها اختبار لقدرتنا على إدارة الموارد والمصالح والسلوك.

​وحين يتحول من كان يعمل خارج المنظومة إلى عامل داخلها،

​وتتحول المخلفات من عبء إلى مادة قابلة للتدوير،

​ويتحول المواطن من متفرج إلى شريك، نكون قد انتقلنا من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل.

​أنا شريك في التنمية.. عندما أعرف أن نظافة مدينتي تبدأ من سلوكي، وأن ما ألقيه في سلة المهملات قد يكون موردًا اقتصاديًا إذا أُدير بطريقة صحيحة.

زر الذهاب إلى الأعلى