مصطفى كامل.. حين يلتقي المطرب بالنقيب:
أين تقف حرية الفنان وأين تبدأ مسؤولية القدوة؟
كتب: أشرف عبده
في الفن، يملك المطرب حق الغناء، ويملك الفنان حق اختيار جمهوره ومكان ظهوره، وتظل حرية الإبداع واحدة من أهم القواعد التي لا ينبغي المساس بها. لكن ماذا يحدث عندما يجلس الفنان نفسه على مقعد نقيب المهن الموسيقية؟
هنا تتغير زاوية النظر، ليس لأن النقيب يفقد حقه في ممارسة فنه، وإنما لأن المنصب يمنحه مسؤولية إضافية، ويجعل خطواته وتصريحاته وظهوره محل اهتمام ليس فقط من أعضاء النقابة، ولكن من جمهور واسع ينظر إليه باعتباره أحد رموز المهنة.
ومن هنا يأتي الجدل حول حفلات الفنان مصطفى كامل، الذي يجمع في شخصه بين صفتين: المطرب صاحب التجربة والجمهور، والنقيب المسؤول عن واحدة من أهم النقابات الفنية في مصر.
والسؤال الذي يستحق أن نطرحه بعيدًا عن التجريح أو تصفية الحسابات هو: هل يستطيع الفنان أن يمارس حريته كاملة، بينما يظل النقيب ملتزمًا بصورة القدوة التي يفرضها عليه موقعه؟
هذا ليس اتهامًا، ولا دعوة إلى منع الفنان من الغناء، وإنما محاولة لفتح نقاش أوسع حول طبيعة المسؤولية عندما يجتمع الفن بالمنصب النقابي.
النقيب.. منصب يتجاوز حدود الكرسي
منصب نقيب المهن الموسيقية ليس مجرد وظيفة إدارية تنتهي بانتهاء ساعات العمل، وإنما هو موقع رمزي يمثل قطاعًا واسعًا من الفنانين والموسيقيين. فالنقيب يتحدث باسم أعضاء النقابة، ويدافع عن حقوقهم، ويشارك في تنظيم المهنة، ويتعامل مع القضايا التي تمس صورة الموسيقى والغناء في المجتمع.
ولهذا فإن أي قرار يصدر عنه، وأي موقف يتخذه، وأي ظهور فني له، يمكن أن يُقرأ باعتباره جزءًا من صورة المؤسسة التي يمثلها.
وقد يكون الفنان العادي قادرًا على الفصل بين حياته المهنية وحياته الشخصية، لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما يكون الشخص نفسه صاحب القرار النقابي الذي يطالب الآخرين بالالتزام بمعايير محددة.
وهنا لا نتحدث عن مصادرة الحرية، وإنما عن طبيعة المواقع العامة التي تفرض على أصحابها قدرًا أكبر من المسؤولية.
فكلما ارتفع المقام، أصبح تأثير السلوك أكبر، وأصبح السؤال عن القدوة مشروعًا.
مصطفى كامل.. مطرب قبل أن يكون نقيبًا
لا يمكن تجاهل حقيقة أن مصطفى كامل فنان ومطرب له تاريخه وجمهوره، ومن الطبيعي أن يرغب في الاستمرار في تقديم أعماله وحفلاته. وقد شارك في حفلات بالساحل الشمالي والعلمين ضمن فعاليات موسمية وجماهيرية.
ومن الخطأ اختزال المسألة في أن إقامة الحفلات في الساحل أو الأماكن الترفيهية تعني تلقائيًا تقديم فن هابط. فالساحل الشمالي أصبح أحد أهم مواسم الحفلات في مصر، ويستضيف نجومًا من مختلف الأجيال، كما يمثل قطاعًا اقتصاديًا وفنيًا مهمًا.
إذن المشكلة ليست في المكان وحده، ولا في كون الحفل جماهيريًا أو ترفيهيًا.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما نتساءل عن المحتوى والمعايير والرسالة والصورة التي يقدمها صاحب المنصب النقابي.
فإذا كان الحفل محترمًا، ويلتزم بالقواعد المهنية، فلا ينبغي أن يصبح مكانه سببًا كافيًا لإدانته.
أما إذا كانت هناك تجاوزات، فهنا يجب أن يكون المعيار واحدًا على الجميع، سواء كان المطرب عضوًا عاديًا أو نجمًا كبيرًا أو حتى نقيب المهن الموسيقية نفسه.
الساحل ليس المشكلة.. المعيار هو القضية
من السهل أن يتحول النقاش إلى مواجهة بين الساحل والفن الراقي، لكن هذا اختزال شديد للقضية.
فالفن الراقي يمكن أن يصل إلى جمهور كبير في حفلة جماهيرية، والفن الضعيف يمكن أن يظهر في مسرح يحمل اسمًا كبيرًا.
المكان لا يصنع وحده قيمة الفن.
القيمة تصنعها الكلمة واللحن والأداء والاحترام والقدرة على مخاطبة الجمهور دون ابتذال.
والدليل أن النقابة نفسها تتعامل مع موسم الساحل باعتباره نشاطًا فنيًا مهمًا، وقد سبق أن تحدث مصطفى كامل عن الإيرادات الكبيرة التي حققتها حفلات الساحل لصالح النقابة.
لذلك فإن السؤال العادل ليس: لماذا يغني النقيب في الساحل؟ وإنما: ما القواعد التي تحكم حفلاته وحفلات غيره؟ وهل تطبق هذه القواعد على الجميع دون استثناء؟
وهنا يتحول الجدل من قضية شخصية إلى قضية مؤسسية تستحق النقاش.
عندما يصبح النقيب هو صاحب القرار وصاحب المسرح
تزداد حساسية المشهد عندما يكون الشخص الذي يغني أمام الجمهور هو نفسه المسؤول الذي يراقب أداء المطربين الآخرين.
فالنقابة خلال السنوات الأخيرة أعلنت أكثر من مرة اتخاذ إجراءات لمواجهة ما تعتبره تجاوزات في بعض الحفلات، كما تحدثت عن متابعة المحتوى المتداول من حفلات الساحل ورصد المخالفات.
وهذا أمر مطلوب، لأن النقابة لا تستطيع أن تترك الساحة بلا ضوابط.
لكن في المقابل، فإن أفضل طريقة لمنح هذه القرارات المصداقية هي أن يشعر أعضاء النقابة بأن القانون واحد، واللائحة واحدة، والمعيار واحد.
فلا ينبغي أن يكون السؤال: من هو المطرب؟ وكم عدد جمهوره؟ وما حجم شهرته؟
بل يجب أن يكون السؤال: هل خالف القواعد أم لم يخالفها؟
وهذا هو جوهر العدالة التي تحمي النقابة وتحمي النقيب نفسه في الوقت ذاته.
القدوة لا تعني اعتزال الفن
ربما تكون هذه أهم نقطة في القضية كلها.
فليس المطلوب من مصطفى كامل، لأنه أصبح نقيبًا، أن يتوقف عن الغناء، أو أن يحصر حفلاته في دار الأوبرا، أو أن يتخلى عن جمهوره.
النقيب فنان في الأساس، ومن حقه أن يمارس مهنته.
لكن المنصب يضيف إليه مسؤولية أخرى، وهي أن يكون نموذجًا في الالتزام بما يطالب به الآخرين.
فالقدوة لا تعني أن يصبح المسؤول شخصًا بلا حياة فنية، وإنما تعني أن يكون سلوكه متسقًا مع المبادئ التي يدافع عنها.
وإذا كانت النقابة ترفع شعار حماية الذوق العام، فمن الطبيعي أن يكون نقيبها حريصًا على أن تكون اختياراته الفنية متسقة مع هذا الشعار.
وإذا كانت النقابة تضع ضوابط للحفلات، فمن الطبيعي أن يحرص النقيب على تطبيقها على نفسه قبل الآخرين.
وهنا يصبح الفنان والنقيب وجهين لشخص واحد، لكن لكل وجه مسؤولياته.
الفن الترفيهي ليس عدوًا للفن الهادف
يجب أيضًا أن نكون منصفين.
فالفن المصري لم يكن يومًا كله فنًا جادًا أو كلاسيكيًا. الكوميديا، والغناء الخفيف، والاستعراض، والحفلات الجماهيرية، كلها أجزاء أصيلة من المشهد الفني.
المشكلة ليست في الترفيه.
المشكلة في أن يتحول الترفيه إلى ذريعة للإسفاف، أو أن يصبح تحقيق المشاهدات والشهرة أهم من احترام الجمهور.
فنحن بحاجة إلى ترفيه راقٍ، وإلى أغنية جماهيرية قادرة على النجاح، وإلى حفلات ضخمة، لكن دون أن يكون الثمن هو التخلي عن القيمة.
وهذه مسؤولية مشتركة بين الفنان والنقابة والمنتج والمنصة الإعلامية والجمهور.
فالجمهور المصري قادر على تذوق الفن الجيد، والتاريخ شاهد على أن الأعمال الراقية استطاعت أن تحقق نجاحًا جماهيريًا هائلًا دون أن تتنازل عن قيمتها.
النقابة.. من العقوبة إلى الوقاية
ربما تحتاج نقابة المهن الموسيقية إلى الانتقال من سياسة التعامل مع المخالفة بعد وقوعها إلى وضع منظومة أكثر وضوحًا للوقاية منها.
فبدل أن تنتظر النقابة انتشار مقطع مصور على مواقع التواصل ثم تبدأ التحقيق، يمكن وضع ميثاق مهني واضح للحفلات، يعرفه كل فنان ومنظم حفل قبل الصعود إلى المسرح.
ويجب أن تكون هذه القواعد معلنة ومفهومة، حتى لا يصبح الفنان في مواجهة قرارات قد يراها غامضة أو قابلة للتأويل.
كما يمكن للنقابة التعاون مع منظمي الحفلات والمنشآت السياحية لوضع معايير واضحة تتعلق بالمحتوى والأداء واحترام الجمهور.
وبذلك تصبح النقابة مؤسسة تنظم وتوجه وتحمي، وليس مجرد جهة تعاقب.
والأهم أن هذه القواعد يجب أن تكون فوق الأشخاص، فلا تتغير بحسب اسم الفنان أو حجم نجوميته.
لماذا لا نرى النقيب أكثر حضورًا على المسارح الثقافية؟
إذا كنا نريد أن نعيد الاعتبار للأغنية المصرية الراقية، فإن أحد الحلول يمكن أن يكون زيادة حضور النجوم الكبار، ومن بينهم النقيب نفسه، في المسارح والمهرجانات الثقافية والفنية الكبرى.
فدار الأوبرا المصرية ومسارح الدولة والمهرجانات الموسيقية يمكن أن تصبح منصات مهمة تجمع بين الجماهيرية والقيمة الفنية.
وهنا يستطيع الفنان أن يقدم تجربة مختلفة لجمهوره، وأن يثبت عمليًا أن النجاح الجماهيري لا يتعارض مع الفن الراقي.
بل ربما تكون هذه واحدة من أهم الرسائل التي يمكن أن يقدمها نقيب المهن الموسيقية: أن المطرب يستطيع أن ينجح في السوق، وفي الوقت نفسه يحافظ على احترام المهنة وتاريخها.
وهذا النوع من المبادرات أقوى من أي بيان صحفي، لأنه يحول الكلام عن الفن الراقي إلى ممارسة حقيقية على المسرح.
الشباب يراقبون.. والنقيب قدوة قبل أن يكون مسؤولًا
هناك جيل جديد من المطربين والموسيقيين ينظر إلى النقابة باعتبارها الجهة التي تحمي مستقبله وتنظم عمله.
وهؤلاء الشباب لا يحتاجون فقط إلى قرارات وعقوبات، وإنما يحتاجون إلى نماذج يرون فيها كيف يمكن للفنان أن ينجح دون أن يتخلى عن احترام المهنة.
وعندما يرى الشاب أن النجم الكبير يلتزم بالقواعد التي يلتزم بها هو، يشعر بالعدالة.
وعندما يرى أن القاعدة تختلف باختلاف الاسم، تبدأ الثقة في المؤسسة بالتراجع.
ولهذا فإن القدوة ليست قضية أخلاقية فقط، وإنما هي قضية إدارية ومؤسسية أيضًا.
والنقابة القوية ليست التي تخيف أعضاءها بالعقوبة، وإنما التي تجعلهم يؤمنون بأن الالتزام بالقواعد يحميهم ويحمي مهنتهم.
النقد البناء لا يعني الخصومة
ومن المهم أن نؤكد أن هذا المقال لا يستهدف شخص مصطفى كامل، ولا ينكر تاريخه الفني، ولا يصادر حقه في العمل والغناء.
إنما يطرح سؤالًا عامًا يتعلق بكل من يشغل منصبًا نقابيًا: كيف يمكن تحقيق التوازن بين الحرية الشخصية والمسؤولية العامة؟
فالنقد عندما يكون موضوعيًا يمكن أن يكون وسيلة للإصلاح، وليس خصومة.
والمسؤول الذي يقبل النقد ويفتح باب الحوار يكون أقوى من المسؤول الذي يرى كل اختلاف معه هجومًا.
كما أن الجمهور نفسه يحتاج إلى أن يكون أكثر عدلًا، فلا يصدر أحكامًا من مقطع قصير أو صورة مقتطعة، وإنما ينظر إلى الوقائع كاملة.
فالصحافة الجادة لا تبحث عن الإدانة، وإنما تبحث عن الحقيقة، وتطرح الأسئلة التي تهم المجتمع.
الكلمة الأخيرة: نريد نقيبًا يغني.. ونريد أيضًا نقيبًا يُحتذى به
في النهاية، لا أحد يريد أن يمنع مصطفى كامل من الغناء، ولا أن يصادر حقه في اختيار حفلاته وجمهوره.
لكننا في الوقت نفسه نريد أن يبقى منصب نقيب المهن الموسيقية محتفظًا بهيبته، وأن تكون القرارات التي تصدر عن النقابة محل ثقة واحترام.
والطريق إلى ذلك بسيط في جوهره: قواعد واضحة، ومعايير واحدة، وتطبيق عادل، وقدوة تبدأ من رأس المؤسسة.
فالفنان من حقه أن يغني، والنقيب من حقه أن يعمل، لكن عندما يجتمع الفنان والنقيب في شخص واحد، تصبح المسؤولية أكبر.
ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يبقى مطروحًا ليس: أين يغني النقيب؟ وإنما:
هل يقدم النقيب، أينما غنى، النموذج الذي يطالب به أعضاء النقابة؟
فالمكان لا يصنع قيمة الفنان، واللقب لا يصنع القدوة.
الذي يصنع القيمة هو الالتزام، والذي يصنع الهيبة هو الاتساق، والذي يصنع احترام الجمهور هو أن يرى في المسؤول ما يطلبه من الآخرين.
وهنا فقط يمكن أن تتصالح حرية الفنان مع مسؤولية النقيب، وأن يصبح المنصب إضافة إلى الفنان، لا عبئًا عليه ولا تناقضًا مع فنه.







