من مقترح شخصي إلى صناعة أزمة… أين الحقيقة؟
بقلم دكتور/ طارق هلال
لا تجعلوا الرأي قراراً… ولا المقترح سياسة دولة
أحياناً، عندما تضيق الحسابات، ويعلو صوت الديون، ويصبح البحث عن مخرج سريع هو الشغل الشاغل، تظهر أفكار من النوع الذي يجعلك تتساءل: هل نحن نحل المشكلة… أم ننقلها من
خانة إلى خانة؟
وفي مصر، يبدو أن هناك دائماً من يتذكر في اللحظة المناسبة أن لدينا أصولاً يمكن الحديث عنها، ومؤسسات يمكن إعادة ترتيب ملكيتها، وأحياناً… قناة السويس نفسها!
والحكاية ليست جديدة تماماً. منذ سنوات، عشنا مع أفكار اقتصادية كان بعضها يتعامل مع أصول الدولة وكأنها درج قديم في مكتب: نفتحه، نخرج منه شيئاً، نسدد به التزاماً، ثم نغلق الدرج ونكمل!
واليوم تعود الفكرة في ثوب جديد: لا أحد يقول «بيع»، ولا أحد يقول «رهن»… وإنما «مقايضة»، و«إعادة هيكلة»، و«نقل ملكية». جميل جداً.
لكن المواطن المصري البسيط لديه سؤال أبسط من كل هذه المصطلحات: إذا نقلنا الأصل من مكان إلى مكان… هل اختفى الدين؟ الحسابات لا تختفي بتغيير اسم الخانة. المشكلة هنا ليست في البحث عن حلول للديون. بالعكس، مصر تحتاج إلى أفكار جريئة وغير تقليدية لإدارة الدين، وخفض تكلفة خدمته، وزيادة الإنتاج، وتعظيم موارد الدولة.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن تدير أصولك بكفاءة، وبين أن تنظر إلى الأصول باعتبارها «شيئاً يمكن استخدامه كلما ظهرت فاتورة». فالأصل الذي يدر دخلاً ليس مجرد رقم في ميزانية. وقناة السويس تحديداً ليست فندقاً أو شركة يمكن أن نتناقش حول بيع حصة منها في البورصة.
هذه قناة صنعتها مصر، وحفرت مكانها في التاريخ والجغرافيا والاقتصاد، وأصبحت أحد أهم ممرات التجارة العالمية. ولذلك فإن التعامل معها باعتبارها مجرد قيمة مالية يمكن نقل ملكيتها من مؤسسة إلى أخرى يحتاج إلى قدر هائل من الحذر.
والأهم من ذلك كله: ماذا سيحدث بعد المقايضة؟ إذا استخدمنا أصلاً ضخماً لتخفيف الدين اليوم، فماذا سنستخدم غداً إذا استمرت أسباب الدين نفسها؟ هنا أصل المشكلة. لا يمكن أن يكون الحل الدائم للدين هو بيع أو نقل أو تسييل أصول جديدة كلما زادت الالتزامات. لأنك في النهاية قد تجد نفسك وقد سددت جزءاً من الدين، لكنك خسرت في المقابل جزءاً من مصادر القوة والإيرادات المستقبلية.
ورداً على أحد المقترحات… مجلس الوزراء قال كلمته. وهنا تأتي النقطة الأهم، وربما التي يجب أن تغلق هذا النقاش من أساسه. مجلس الوزراء أوضح أن ما تم تداوله بشأن نقل ملكية بعض أصول الدولة، ومن بينها قناة السويس، إلى البنك المركزي مقابل تسوية جانب من المديونية المحلية لا يمثل توجهاً أو مقترحاً تتبناه الحكومة، وإنما هو رؤية شخصية خالصة لصاحبها.
بل إن الحكومة أوضحت أن أفكاراً من هذا النوع سبق أن خضعت للدراسة والتقييم، وانتهت الجهات المعنية إلى عدم ملاءمة تطبيق هذا التصور، وبالتالي لم يتم إدراجه ضمن السياسات أو الآليات التي تتبناها الحكومة لإدارة الدين العام.
وهنا أعتقد أن الكلام يجب أن ينتهي. لا توجد صفقة حكومية. لا يوجد قرار ببيع قناة السويس. لا يوجد قرار برهنها. ولا يوجد توجه حكومي لمقايضتها بالديون. إذن لماذا نعيش أياماً من الجدل وكأن الدولة اتخذت قراراً لم تتخذه أصلًا؟
الرؤية الشخصية حق لصاحبها، ويمكن مناقشتها اقتصادياً وقبولها أو رفضها. لكن الخطأ أن تتحول الرؤية الشخصية إلى ما يشبه قرار دولة في عيون الناس. وهنا نصل إلى درس أهم بكثير من المقترح نفسه:
في القضايا التي تمس الاقتصاد ومقدرات الدولة، يجب أن نأخذ المعلومات من مصدرها الرسمي، وليس من الاجتهادات الشخصية. الإعلام عليه مسؤولية، والقارئ عليه مسؤولية، وكل من يتحدث في الشأن العام عليه مسؤولية.
هناك فرق بين خبر يقول إن الحكومة قررت، وبين رأي يقول إن صاحبه يقترح. والفرق بين الاثنين ليس مجرد كلمة… وإنما فرق بين سياسة دولة واجتهاد شخصي. لذلك، وبعد بيان مجلس الوزراء، أعتقد أن الموضوع انتهى من الناحية الرسمية. المقترح رأي شخصي… وليس قرار دولة.
مصر لديها بالفعل خطة للتعامل مع الدين. والأهم أن الدولة لا تقف أمام ملف الدين مكتوفة الأيدي، ولا تنتظر أن يأتي أحد ليقول لها: «ماذا ستفعلون؟»
هناك بالفعل مسار لإدارة الدين وخفضه، يرتكز على زيادة الإيرادات، وضبط الإنفاق، وتحقيق فوائض أولية، وخفض تكلفة التمويل، وإطالة عمر الدين، وتنويع مصادر وأسواق التمويل. وفي موازنة 2026/2027 تستهدف الدولة تحقيق فائض أولي مرتفع، مع نمو الإيرادات بوتيرة تفوق نمو المصروفات، بما يدعم مسار خفض الدين تدريجياً. كما أن الخطة الاقتصادية متوسطة المدى تستهدف رفع معدلات النمو، وزيادة الإنتاج والصادرات والاستثمار.
إذن القضية ليست: «ماذا نبيع حتى نسدد الدين؟». بل: «كيف ننمو حتى نستطيع سداد الدين دون أن نفقد أصولنا؟». وهذا فرق هائل.
#مسؤولية الكلمة. وهنا نحتاج أيضاً إلى أن يكون كل مسؤول يعمل داخل دولاب الدولة، على قدر كبير من المسؤولية فى التعامل مع الكلمة، فمن يعمل تحت مظلتها يجب أن يدرك أن كلمته قد تحسب عليها.
من حقه أن يفكر ويقترح، لكن مكان الاجتهاد هو مؤسسات الدولة، أما أمام الرأي العام فلابد من الالتزام بضوابط المسؤولية والصفة الرسمية. فالدولة ليست في حاجة لمن يصنع أزمة بتصريح، ثم تنشغل بتوضيح أنه «رأي شخصي». نحن نحتاج مسؤولاً يحل الأزمات… لا مسؤولاً يصنعها
وهناك دول كانت مديونة أكثر… لكنها اختارت طريقاً آخر، والعالم يقدم لنا نماذج مهمة.
اليونان، التي مرت بأزمة ديون قاسية، نجحت في خفض نسبة الدين إلى الناتج بصورة كبيرة، فقد انخفضت من نحو 210% في 2020 إلى 146.6% في 2025، مدفوعة بفوائض أولية قوية، وزيادة الإيرادات، ومكافحة التهرب الضريبي، والنمو، إلى جانب السداد المبكر لبعض القروض.
وإيطاليا، رغم بقاء دينها العام مرتفعاً، تركز على الضبط المالي، وتحسين الالتزام الضريبي، ورفع كفاءة الإنفاق، والإصلاحات التي تزيد الإنتاجية والنمو حتى يتحرك الدين في مسار نزولي.
وحتى اليابان، صاحبة واحد من أعلى مستويات الدين العام في العالم، لا تتعامل مع المشكلة بمنطق «ماذا نبيع؟»، وإنما بمنطق ضبط الإنفاق، وتعزيز الإيرادات، والحفاظ على الاستثمار المنتج، ووضع خطة مالية طويلة الأجل تسمح بأن ينمو الاقتصاد بوتيرة تتجاوز تكلفة الدين.
أي أن التجارب الدولية لا تقول لنا إن الطريق السهل هو بيع الأصول. بل تقول شيئاً أبسط: الدين يعالج عندما يصبح الاقتصاد قادراً على إنتاج موارد أكبر من تكلفة خدمته. نزيد الإنتاج. نزيد الصادرات. نزيد السياحة. نجذب الاستثمار المنتج. نرفع كفاءة مؤسسات الدولة. نحسن إدارة الأصول. نوسع القاعدة الضريبية. نخفض تكلفة الاقتراض. ونحقق فوائض أولية توجه تدريجياً إلى خفض الدين.
الأصل ليس المشكلة… طريقة استخدامه هي المشكلة. قناة السويس مثال واضح. قد تتأثر إيرادات القناة بالأزمات الإقليمية واضطرابات الملاحة، لكن هذا لا يعني أن قيمة القناة نفسها تراجعت. القناة أصل مصري استثنائي، وموقعها الجغرافي لا يمكن استنساخه، ويمكن أن تكون مصدراً متزايداً للدخل إذا أحسنا استغلال ما حولها من موانئ وخدمات لوجستية وصناعات ومناطق اقتصادية.
إذن السؤال الصحيح ليس: «كيف نحول القناة إلى أموال لسداد الدين؟». بل: «كيف نجعل القناة تدر أموالاً أكثر تساعدنا على سداد الدين؟». وهنا الفارق بين إدارة الأزمة وصناعة المستقبل. فالأصل يمكن أن نستهلكه مرة واحدة. أما الأصل الذي نطوره ونرفع إنتاجيته، فيمكن أن يدر دخلاً لعشرات السنين. وهذه هي الفكرة التي يجب أن نتمسك بها.
في النهاية، الرد على أي مقترح اقتصادي لا يحتاج إلى صراخ ولا إلى تخوين. نناقش الفكرة… نعم. نختلف معها… نعم. نطرح بدائل أفضل… بكل تأكيد. لكن عندما تتحدث الحكومة رسمياً وتقول إن الأمر رؤية شخصية وليست توجهًا حكومياً، فعلينا أن نحترم الحقيقة ونغلق باب الشائعات.
فمصر لديها أصول، ولديها موارد، ولديها اقتصاد، ولديها خطة لإدارة الدين. وما تحتاجه ليس التخلص من أصولها، وإنما تعظيم عوائدها. ولا ينقصنا من يقول: «عندكم قناة!». نحن نعرف أن عندنا قناة.
المطلوب فقط ألا نصل يوماً إلى مرحلة نسأل فيها: ماذا تبقى لدينا بعد أن سددنا كل الفواتير؟ لأن أسهل شيء في الاقتصاد أن تبيع ما تملك. أما الأصعب والأهم… فهو أن تجعل ما تملك يصنع لك ما تحتاج إليه، دون أن تفقده.
وهنا تحديداً يجب أن نتعلم الدرس: الرأي يظل رأياً، والمقترح يظل مقترحاً، أما قرار الدولة… فلا يعرفه المواطن إلا من الدولة نفسها، ومجلس الوزراء قال كلمته… فليغلق الملف.







