حين تصبح المعلومة جزءاً من التنمية.. الوعي يحمي ما تبنيه الدولة
بقلم: أ. هبة شاهين – الإسكندرية
في التنمية، لا تكفي المشروعات والطرق والمصانع والموانئ وحدها؛ فهناك بنية أخرى لا تقل أهمية عنها، هي بنية الوعي.
والوعي يبدأ من القدرة على التمييز بين ما هو رأي شخصي وما هو قرار رسمي للدولة، وبين فكرة قابلة للنقاش وسياسة تم اعتمادها بالفعل. وهذا ما أعاد التأكيد عليه بيان مجلس الوزراء بشأن ما جرى تداوله حول مقترح لمقايضة بعض أصول الدولة بالمديونية المحلية، والذي أوضح أن الطرح المتداول يمثل رؤية شخصية لصاحبه، ولا يمثل توجهاً أو سياسة تتبناها الحكومة.
لكن الأهم في البيان ليس فقط نفي ما تم تداوله، وإنما الرسالة الاقتصادية التي تقف خلفه؛ فإدارة الدين العام ليست عملية حسابية بسيطة تقوم على نقل أصل من جهة إلى أخرى، وإنما ملف متكامل يرتبط بهيكل الدين وتكلفة خدمته والسيولة والسياسة المالية والنقدية، إلى جانب ضرورة الحفاظ على كفاءة الأصول العامة وتعظيم عوائدها بصورة مستدامة.
وهنا تأتي قناة السويس باعتبارها نموذجاً لا يمكن التعامل معه كرقم في ميزانية؛ فهي مرفق استراتيجي ذو طبيعة خاصة، يرتبط بالسيادة والأمن القومي، وفي الوقت نفسه يمثل أحد أهم روافد الاقتصاد المصري وموقع مصر في حركة التجارة العالمية. وقد أكدت الحكومة بصورة قاطعة عدم وجود أي توجه لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات.
والأهم أن رؤية الدولة الاقتصادية لا تقف عند مجرد الحفاظ على الأصل، وإنما تتجه إلى تعظيم قدرته على توليد القيمة. فالمسار الجاري في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس يستهدف جذب الاستثمارات وتوطين الصناعات والخدمات اللوجستية، وقد شهدت المنطقة بالفعل مشروعات صناعية جديدة في قطاعات متعددة، بما يعزز القيمة المضافة وفرص العمل والصادرات.
وهنا نصل إلى المعنى الحقيقي للتنمية: الأصل الوطني لا تكون قيمته فقط في امتلاكه، وإنما في حسن إدارته واستثمار إمكاناته للأجيال القادمة.
لكن هناك شريكاً آخر في هذه المعادلة لا يمكن تجاهله: المواطن. ففي عصر تنتشر فيه المعلومة خلال دقائق، قد تتحول جملة غير دقيقة إلى حالة من القلق العام، وقد تتحول فكرة شخصية إلى ما يشبه القرار الرسمي بمجرد تداولها آلاف المرات.
ولهذا، فإن مواجهة الشائعة لا تعني منع النقاش، ولا تعني إغلاق باب الرأي. على العكس؛ مجلس الوزراء أكد حرصه على إتاحة المجال أمام الخبراء والشخصيات العامة لطرح الرؤى والاجتهادات الاقتصادية، مع ضرورة التفرقة بينها وبين المواقف والسياسات الرسمية التي تعلنها الجهات المختصة.
وهنا مسؤوليتنا كشركاء في التنمية:
¤ لا تصدق كل ما يقال لأن عنوانه مثير.
¤ لا تنشر قبل أن تعرف مصدر المعلومة.
¤ لا تجعل إعادة المشاركة وسيلة لصناعة حقيقة غير موجودة.
من حقك أن تسأل، ومن حقك أن تختلف، ومن حقك أن تطلب التوضيح.. لكن من واجبك أيضاً أن تتحقق.
فالدولة تبني مشروعاتها على الأرض، والمواطن يستطيع أن يحمي أثر هذه التنمية في الفضاء الرقمي. التنمية ليست فقط أن نبني وطناً قوياً.. بل أن نمتلك وعياً يحمي ما نبنيه.
أنا شريك في التنمية.. ولذلك لن أكون شريكاً في الشائعة.








