مقالاتمنوعات

زيادات هنا.. وعجز هناك.. فمتى تنتهي أزمة سوء توزيع المعلمين؟

زيادات هنا.. وعجز هناك.. فمتى تنتهي أزمة سوء توزيع المعلمين؟

 

بقلم/ ممدوح عكاشة

من أكثر الملفات التي تحتاج إلى مراجعة جادة داخل منظومة التعليم المصرية، ملف توزيع المعلمين على المدارس والإدارات التعليمية؛ فليس من المنطقي أن تكون هناك مدارس تعاني عجزًا شديدًا في بعض التخصصات، بينما توجد مدارس أخرى بها أعداد زائدة من المعلمين في التخصصات نفسها.

والأغرب أن هذه المشكلة تتكرر عامًا بعد عام، ويتم التعامل معها في كثير من الأحيان من خلال الانتدابات المؤقتة لسد العجز، وكأننا نعالج عرضًا يتكرر كل عام، وليس مشكلة تحتاج إلى قرار جذري ينهيها.

وقد سبق لوزارة التربية والتعليم أن أكدت أهمية إعادة توزيع المعلمين وسد العجز وفق الاحتياجات الفعلية، كما شهدت بعض المديريات، ومنها القليوبية، مناقشات حول إعادة توزيع الزيادات لتغطية المدارس التي تحتاج إلى معلمين.

لماذا الانتداب السنوي ليس هو الحل؟

الانتداب قد يكون حلًا استثنائيًا وسريعًا في بعض الظروف، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سياسة دائمة.

فالمعلم الذي يتم انتدابه كل عام إلى مدرسة أخرى يعيش حالة من عدم الاستقرار، والمدرسة لا تستطيع بناء فريق عمل مستقر، وفي المقابل تظل المدرسة الأصلية محتفظة بمعلم قد تكون في غنى عن وجوده، بينما مدرسة أخرى تعاني نقصًا حقيقيًا.

وهنا يصبح السؤال:

لماذا لا تتم إعادة توزيع المعلمين بشكل دائم وفق الاحتياج الفعلي؟

نحتاج إلى قرار شجاع.. وليس حلولًا مؤقتة

الحل من وجهة نظري يبدأ بعمل حصر إلكتروني دقيق وشامل لكل مدرسة:

عدد الطلاب والفصول.

عدد المعلمين في كل مادة وتخصص.

النصاب الفعلي لكل معلم.

أماكن الزيادة الحقيقية.

أماكن العجز الحقيقي.

المسافات بين محل إقامة المعلم والمدرسة المقترحة.

ثم يصدر قرار واضح:

كل زيادة حقيقية في مدرسة يتم نقلها إلى أقرب مدرسة أو إدارة تعليمية بها عجز، وفقًا للتخصص والاحتياج، مع مراعاة الضوابط القانونية والبعد الجغرافي والظروف الاجتماعية للمعلم.

وهذا أفضل كثيرًا من أن نبدأ كل عام رحلة جديدة من الندب والعودة والندب مرة أخرى.

المعلم ليس رقمًا في جدول

وفي الوقت نفسه، لا بد أن تتم إعادة التوزيع بعدالة وإنصاف، لأن المعلم إنسان له أسرة وظروف والتزامات، وليس مجرد رقم يتم نقله من خانة إلى أخرى.

ولهذا يجب أن يكون هناك ترتيب للأولويات، بحيث يكون النقل إلى أقرب مكان يوجد به عجز، مع مراعاة محل إقامة المعلم ورغبته قدر الإمكان.

وقد سبق للوزارة أن وجهت في 2025 إلى إعادة توزيع بعض المعلمين إلى إداراتهم الأصلية أو إلى أقرب إدارة بها عجز، بما يحقق قدرًا أكبر من الرضا الوظيفي.

أموال تُنفق.. ومشكلة يمكن حلها بالإدارة

عندما تكون لدينا مدرسة بها زيادة، وأخرى في المنطقة نفسها تعاني عجزًا، ثم نلجأ إلى التعاقد بالحصة أو الاستعانة بوسائل أخرى لسد العجز، فهنا يجب أن نسأل:

ألم يكن من الأولى أولًا إعادة توزيع الموارد البشرية الموجودة بالفعل؟

إن القضية ليست فقط قضية توفير أعداد جديدة من المعلمين، وإنما أيضًا حسن إدارة الأعداد الموجودة.

والوزارة نفسها أكدت في خطتها لمواجهة العجز أهمية إعادة توزيع أنصبة المعلمين وتجنب الهدر، كما أن التوجه الرسمي يتضمن الاعتماد على إعادة التوزيع وفق الاحتياجات الفعلية.

الحل الجذري في كلمة واحدة: الاستقرار

نحن لا نطالب بنقل المعلمين عشوائيًا، ولا بإجبارهم على أماكن بعيدة عن أسرهم، وإنما نطالب بـإعادة هيكلة حقيقية لخريطة توزيع المعلمين.

فبدلًا من أن ننتظر بداية كل عام دراسي لنكتشف أن مدرسة بها زيادة ومدرسة أخرى بها عجز، يجب أن تكون هناك خريطة ثابتة ومحدثة للقوى البشرية يتم مراجعتها دوريًا.

الزيادة تنتقل إلى العجز، والندب يكون للحالات الاستثنائية فقط، وليس علاجًا دائمًا.

فالتعليم يحتاج إلى الاستقرار، والطالب يحتاج إلى معلمه، والمعلم يحتاج إلى الاستقرار الوظيفي، والدولة تحتاج إلى استثمار كل معلم في المكان الذي يحتاج إليه فعلًا.

آن الأوان أن نغلق ملف “الانتداب كل عام”، ونفتح بدلًا منه ملف “إعادة التوزيع العادل والدائم”.

فإذا كانت لدينا بالفعل أعداد من المعلمين تكفي لتغطية جزء كبير من الاحتياجات، فإن المشكلة في بعض الأحيان ليست في قلة المعلمين فقط، وإنما في سوء توزيعهم.

وهنا نقول أن الإدارة الناجحة ليست التي تملك الموارد فقط، وإنما التي تضع كل مورد في المكان الذي يحتاج إليه.

زر الذهاب إلى الأعلى