أدب وثقافة

لَا حُزْنَ يَدُومُ وَلَا فَرَجَ يَتَأَخَّرُ

حِكْمَةٌ وَمَوْعِظَةٌ (13)

حِكْمَةٌ وَمَوْعِظَةٌ (13)

لَا حُزْنَ يَدُومُ وَلَا فَرَجَ يَتَأَخَّرُ

 

بقلم الأديب د. محمود طه

كان هناك شابٌّ يُدعى وسيم، ينتمي إلى أسرةٍ بسيطة، وقد توفّي والداه وهو لا يزال في الرابعة عشرة من عمره، وكان الابن الوحيد لهما.

وبعد وفاة والديه، عاش وسيم وحيدًا، ولم يكن له في الدنيا أحدٌ سوى الله سبحانه وتعالى. حتى أقاربه كانوا بعيدين عنه، لا يسألون عنه ولا يهتمون بأمره، فوجد نفسه مضطرًّا إلى مواجهة الحياة بمفرده، وهو لا يزال في مقتبل العمر.

عمل وسيم كاشيرًا في أحد المطاعم حتى يستطيع الإنفاق على نفسه، فلم يكن هناك من يساعده أو يسانده. ولم يترك له والداه سوى شقّةٍ بالإيجار، فالتزم منذ صغره بدفع الإيجار وفواتير الكهرباء والمياه وغيرها من متطلبات الحياة.

علّمته الحياة مبكرًا معنى المسؤولية، وكيف يعتمد الإنسان على نفسه مهما كانت الظروف قاسية، وكيف يكون رجلًا رغم صغر سنه.

ومع ذلك، كان وسيم بعد عودته من عمله يتناول غداءه، ثم يجلس وحيدًا مع نفسه، يغرق في أفكاره وحزنه، فقد كان يشعر دائمًا بالوحدة. لم يكن لديه أصدقاء مقرّبون، وإنما بعض الزملاء في العمل، لكنه لم يكن يختلط بهم كثيرًا، وفضّل أن يعيش حياته في هدوءٍ وانغلاق.

ومرّت السنوات، حتى بلغ وسيم العشرين من عمره.

وفي أحد الأيام، جاءت فتاة تُدعى سميرة إلى المطعم لشراء بعض المأكولات. وكانت سميرة من أسرةٍ ثرية، وكانت تتمتع بالأناقة وحُسن المظهر والأسلوب الراقي.

ومنذ اللحظة الأولى التي رآها فيها وسيم، أعجب بها وبشخصيتها وأسلوبها، لكنه كان يدرك جيدًا أنها من عالمٍ مختلف عن عالمه، وأن الفارق بينهما كبير.

ومع ذلك، تعلّق بها قلبه، وأصبح ينتظر مجيئها إلى المطعم، وكلما رآها شعر بالسعادة، رغم أنه لم يملك الشجاعة ليخبرها بما في قلبه.

وفي أحد الأيام، وبينما كان وسيم عائدًا من عمله، رأى سميرة واقفةً في أحد الشوارع بالقرب من المطعم، وكانت تبدو في حيرةٍ من أمرها، تلتفت يمينًا ويسارًا وكأنها تبحث عن شيء.

اقترب منها وسيم، وقال بأدب:

— السلام عليكم، خير يا أستاذة؟ هل تبحثين عن شيء؟

فقالت له باستغراب:

— نعم، ولكن من أنت؟

فقال:

— أنا أعمل في المطعم الموجود هنا، ورأيتك تبحثين عن شيء، فجئت لأساعدك.

فنظرت إليه سميرة باستخفاف، وقالت:

— أنت تساعدني؟! ألا ترى من تتحدث إليه؟ من فضلك ابتعد من هنا.

وفي تلك اللحظة، نزل شقيقها كريم من السيارة، وقال لها:

— خير يا سميرة؟ هل هناك شيء؟

فتركهما وسيم ومضى في طريقه، وقد ضاقت به الدنيا بما رحبت، وشعر بعجزٍ شديد، وأدرك أن الظروف التي يعيشها أقل بكثير من مستوى الفتاة التي أحبها.

شعر وكأن الحياة قد اسودّت في عينيه، وأن الشقاء والحزن قد كُتبا عليه، فعاد إلى حياته المنغلقة بين أربعة جدران، يقضي يومه في العمل، ثم يعود إلى منزله وحيدًا، وهكذا أصبحت حياته روتينًا متكررًا بلا أملٍ في غدٍ أفضل.

ومرّت سنة كاملة.

وفي أحد الأيام، جاءت فتاة تُدعى عبير للعمل معهم في المطعم.

كانت عبير من أسرةٍ بسيطة، وكانت تساعد والدها العاجز الذي أقعده المرض في منزله، وكانت والدتها قد توفيت، ولم يكن لها سوى أخت واحدة تُدعى فاطمة، وكانت فاطمة بالنسبة إليها أختًا وصديقةً وكل شيء، وكانت صندوق أسرارها الذي لا تخفي عنه شيئًا.

ومنذ الأيام الأولى، شعرت عبير بارتياحٍ كبير تجاه وسيم، فبدأت تتحدث معه، وتعرّفت إلى شخصيته وظروف حياته، وعرفت مقدار ما تحمّله منذ صغره.

ومع مرور الوقت، قالت له ذات يوم:

— أنت رجلٌ بمعنى الكلمة يا وسيم، لقد تحمّلت مسؤولية نفسك منذ أن كنت صغيرًا، ولم تنتظر من أحدٍ أن يساعدك. أنت تستحق كل خير.

ابتسم وسيم وقال لها:

— وأنتِ أيضًا يا عبير تستحقين كل الخير، فأنتِ تتحملين مسؤولية والدك، وتقفين بجانبه رغم صعوبة الحياة.

ومع مرور الأيام، ازداد التقارب بينهما، وأصبح كل واحدٍ منهما يجد في الآخر الأمان الذي افتقده طوال سنوات حياته.

شعر وسيم بأن عبير تفهمه، وأنها لا تنظر إلى فقره أو ظروفه، وإنما تنظر إلى أخلاقه وشخصيته، فوجد قلبه يميل إليها، وبعد فترة قرر أن يتقدم لخطبتها.

فقال لها:

— يا عبير، أريد أن أتقدم لخطبتك، ولكن قبل كل شيء أريد أن أتحدث مع والدك.

فقالت له:

— وأنا موافقة، ولكن عليك أن تتحدث مع أبي أولًا.

ذهب وسيم إلى والد عبير، الأستاذ بهجت، وكان موظفًا في إحدى الشركات، لكنه أُصيب بعجزٍ في قدميه جعله قعيد المنزل.

جلس وسيم أمامه متوترًا، فابتسم الأستاذ بهجت وقال له:

— كلنا كنا في مثل عمرك يومًا يا بني، فلا تخف، قل لي ماذا تريد؟

فقال وسيم:

— يا عمي، أنا جئت اليوم لأطلب يد ابنتك عبير.

نظر إليه الأستاذ بهجت، وقال:

— اسمع يا بني، أنا لا أريد أن أسألك عن شقةٍ أو مالٍ أو وظيفةٍ أو أي شيء من متاع الدنيا، كل ما أريده منك شيء واحد فقط.

قال وسيم:

— وما هو يا عمي؟

قال بهجت:

— أريدك أن تضع عبير في عينيك، وتحافظ عليها، وتصونها، وتكون لها سندًا وأمانًا.

فقال وسيم بثقة:

— لا تقلق يا عمي، عبير في عيني، فهي حب العمر، ومستحيل أن أُسيء إليها أو أضيّق عليها يومًا. سأحافظ عليها ما حييت.

ابتسم الأستاذ بهجت وقال:

— وهذا بالضبط ما كنت أريده منك، وكنت أتوقع أن أسمعه.

ثم قال:

— أنا موافق على خطبتك لابنتي، ولكن علينا أن نسألها أولًا، فهذا حقها، وهو ما أمرنا به الشرع.

فنادى ابنته عبير وسألها:

— يا ابنتي، وسيم تقدم لخطبتك، فما رأيك؟

ابتسمت عبير وقالت:

— موافقة يا أبي.

وبذلك تمّت الخطبة، ثم جاء موعد الزواج، وبدأت حياة جديدة بين وسيم وعبير.

ورزقهما الله بعد ذلك بالذرية الصالحة، فولد لهما توأم؛ ولدٌ سمّياه محمدًا، وبنتٌ سمّياها إنجي.

وعاش وسيم مع أسرته حياةً سعيدة، وخرج أخيرًا من دائرة الوحدة التي عاش فيها سنوات طويلة، وأصبح لديه بيتٌ مليء بالمودة والرحمة والمحبة.

وعندها أدرك وسيم أن الله سبحانه وتعالى لم يكن قد نسيه يومًا، وإنما كان يؤخر عنه الخير حتى يأتي في الوقت الذي يكون فيه أكثر احتياجًا إليه.

وأدرك أن الإنسان قد يظن أن بعض الأبواب التي أُغلقت في وجهه كانت أبواب نجاته، بينما تكون الحقيقة أن إغلاقها كان رحمةً من الله به، وأن الأبواب التي كان يظن أنها ستقوده إلى السعادة ربما كانت ستقوده إلى الشقاء.

فقد تكون الخيرة فيما اختاره الله، حتى وإن لم نفهم حكمته في البداية.

المَوْعِظَةُ:

فلا حزنٌ يدوم إلى الأبد، ولا سعادةٌ تدوم على حالها إلى الأبد، فالحياة متقلبة، والأيام دول، والشدائد مهما اشتدت لا بد أن تنزاح.

واعلم، مهما أصابتك هموم الدنيا، أن الغمة ستنزاح، وأن بعد الليل فجرًا، وبعد العسر يسرًا، وبعد الضيق فرجًا.

فلا تيأس إذا أُغلق في وجهك باب، ولا تحزن إذا لم يتحقق لك ما تمنيت، فربما كان فيما تريده شرٌّ لا تعلمه، وربما كان فيما منعه الله عنك خيرٌ عظيم.

قال تعالى:

﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

صدق الله العظيم.

فكن راضيًا بما قسمه الله لك، واثقًا بحكمته، واعلم أن ما اختاره الله لك خيرٌ مما اخترته لنفسك، وسيرزقك الله من حيث لا تحتسب.

 

زر الذهاب إلى الأعلى