أدب وثقافةقصص قصيرة

متلازمة إغلاق الثقوب… قصة قصيرة بقلم: رماح عبد الجليل

مع قراءة نقدية بقلم: مصطفى العقاد

متلازمة إغلاق الثقوب

 

بقلم: رماح عبد الجليل

في العيادة النفسية، استلقت خديجة على ظهرها، وثمة اعترافات كثيرة جاءت لتبوح بها.

ولأن الطبيب النفساني يعرف أن سؤالًا واحدًا قادر على كشف كل ما كان يدور في الغرف المغلقة، سألها بعد أن سمع أول اعترافاتها قائلًا:

ـ لماذا فعلتِ به ذلك يا خديجة؟

بدأت خديجة تسرد حكايتها عن تلك الطفلة الصغيرة التي تعيش داخلها، تلك الناعمة الطرية، التي لا يشغل بالها سوى انتظار والدتها التي تعمل مضيفة طيران.

لديها أخت تصغرها بسبعة أعوام.

أحيانًا كانت أمهما تقضي أسبوعًا كاملًا تتنقل بين البلاد، لكنها حين تأتي، يفرحن كثيرًا، ويركضن إلى حضنها. وحين تسألهن عما جرى في غيابها، كانت رباب الصغيرة تسارع بإخبار أمها أن والدهما يحب خديجة أكثر منها، إذ يبقيها في حضنه وقتًا أطول. هكذا كانت رباب تفسر الحب وقتها.

لكن خديجة، حين نضجت قليلًا، انتبهت مرةً إلى أن ثمة عين تعرفها تنظر إليها من خلال ثقب صغير في الباب.

ثم لاحظت أن لوالدها عينان لا تشبهان عيون الآباء مطلقًا.

لذا قضت ما تبقى من طفولتها وهي تغلق كل الثقوب التي قد ينظر منها إليها، حتى صارت مهووسة بعادة إغلاق الثقوب.

وما إن انتبهت والدتها لتصرفها ذاك، حتى اضطرها هذا الأمر إلى طلب إجازة  من عملها، لتقضي وقتًا أطول تنظر في شأن ابنتها.

لكن ما أثار قلق الوالدة هي تلك المرة، حين  أخذت ابنتيها معها في زيارة إلى بيت الجارة.

كانت رباب تجلس جوار أمها هادئة، على عكس أختها خديجة التي كانت تتصرف بطريقة غريبة، إذ كانت تقوم بين الفينة والأخرى تتفقد البيت حتى عثرت على ثقب صغير في باب الحمام، وآخر في باب إحدى الغرف، وأغلقتهما بالصلصال الذي تحمله معها أينما ذهبت، وتسببت بذلك في إحراج بالغ لوالدتها مع تلك الجارة. فنهرتها أمها بغضب حتى لا تكرر الأمر، وحين لم تستجب خديجة، هددتها الأم بأنها لن تصطحبها معها، بل ستصحب أختها رباب المطيعة.

لم تقتصر تلك التصرفات على البيوت فقط، بل خارجها أيضًا. ففي محلٍ لبيع ملابس الأطفال، لاحظت خديجة أنه يوجد ثقب صغير، بل صغير جدًا في غرفة تبديل الملابس من الناحية الأخرى.

تخيلت خديجة أن عدسة صغيرة بإمكانها أن توضع في ذلك الثقب، أو أنه صُنع خصيصًا لعين بشرية، فاستشاطت غضبًا، وسارعت بنفسها وأغلقت الثقب. ومع كل فعل كانت أمها تسألها:

لماذا تفعلين ذلك يا ابنتي؟! وما حكاية الصلصال الذي تأخذينه معكِ أينما ذهبتِ؟!

لكن خديجة لم ترغب في أن تخبر أحدًا عن دوافعها الخفية، ولا رغبة لها في أن تقلق راحة والدتها.

ومع ذلك بقيت أمها قلقة على الدوام، وترى أن خديجة كلما كبرت صارت صعبة المراس، وتسبب المشكلات في كل مكان، فخافت عليها أكثر من رباب.

حين ارتادت خديجة الجامعة، صارت أكثر انفعالًا حين يتعلق الأمر بشرف زميلاتها. لا تصمت على المتحرشين، وتنكل بهم أشد التنكيل، سواء طلبة الجامعة أو الرجال الذين يشعلون شهواتهم في المواصلات العامة.

وكلما كبرت خديجة كان يكبر معها ذلك الكره للحضن، والحنان حين يأتي من ذلك المكان الضيق، الذي قد تطوق فيه ذراعان قويتان أنوثتها.

حدثت الطبيب أنها كانت تشم رائحة قذرة في منزلها، تدعوها إلى التقيؤ. ولأجل هذا اختارت العيش في داخلية للفتيات طوال فترة الجامعة، وحاولت أن تبتعد –قدر الإمكان- عن بيتها.

وفي العطلات تشترك في الدورات التدريبية، لتجد سببًا تعلل به غيابها الطويل عن البيت. وكانت حين تأتي والدتها من رحلاتها تسارع في الذهاب إليها، لكن كانت الأم تعاتبها:

لماذا تهجرين البيت يا خديجة، وتتركين أختكِ وحيدة؟!.

فتتعثر الكلمات في فم خديجة، وتشعر بالتقصير، فتمد ذراعيها لتحتضن أمها بحنان. وكان ذلك هو الحضن الوحيد الذي ستظل تجزم بأنه أنقى وأطهر مكان ضمّها.

ثم حكت للطبيب عن تلك المرة الأخيرة التي زارت فيها منزلهم وأمها مسافرة، فقط لتطمئن على أختها مثلما أوصتها والدتها.

في ذلك اليوم ما إن دلفت خديجة إلى بيتهم حتى اشتمت تلك الرائحة، وسرعان ما أحست بألمٍ في معدتها، فدلفت إلى الحمام، وهناك لاحظت الثقوب الجديدة على باب الحمام، فآلمتها معدتها أكثر.

وحين أتت أختها رباب من المدرسة، سلمت عليها بدفء. وقبل ذلك كان سلامها فاترًا، فكثيرًا ما اعترت رباب غيرة إزاء أختها.

وتساءلت خديجة عن سبب تغير رباب، وقالت في نفسها: ربما حديث والدتنا هو السبب.

لكن لم يكن هذا هو السبب الوحيد، فمن بعد أن تركت خديجة البيت، باتت رباب ترى أنها نجحت أخيرًا في أن تأخذ مكانة أختها في قلب والدها. لذا ما إن سألت خديجة عن أحوالها، قالت رباب:

بخير،طالما أبي صار يدللني مثلما كان يدللكِ.

وكانت تلك الكلمات سببًا كافيًا لتؤلمها معدتها للمرة الثانية.

في ذلك اليوم قضت خديجة ليلتها في المنزل، كي تغلق الثقوب في باب الحمام. لكنها فكرت وهي تغلق آخر ثقب: إلى متى ستستمر في إغلاق هذه الثقوب؟.. إن فعلها هذا سيكون بلا جدوى، فلقد أغلقت هذه الثقوب من قبل. لذا لا بد من حل أكثر ضمانًا.

فلأول مرة اعترفت أن الصلصال ليس الحل المناسب، لذا وضعته جانبًا وفكرت في حل بديل.

تسللت خديجة إلى غرفة نوم أبيها، وبدبوسين فقط، أغلقت تلك العين التي كانت تدمن النظر من الثقوب.

انتهى

قراءة نقدية في قصّة “متلازمة إغلاق الثقوب” 

 

تُعد قصة “متلازمة إغلاق الثقوب” للكاتبة “رماح عبد الجليل” نصًّا سرديًا مشحونًا بالتوتر النفسي والرمزية العميقة، إذ تتخذ الكاتبة من العيادة النفسية فضاءً تأطيريًا لاستهلال الحكاية وختامها لكي تضع القارئ وجهًا لوجه أمام دراما الصدمة وتبعاتها.

إننا لسنا أمام حكاية عابرة ترصد حدثًا موضعيًا، وإنما أراها كمختبر سيكولوجي نتاجه سؤال معنوي عميق الصدى وطويل الأمد : “كيف تتحول التفاصيل المادية الصغرى، كثقب في باب أو قطعة صلصال، إلى بؤر دلالية تحيل على التصدع الوجودي والانتهاك الجسدي الذي تتعرض له الطفولة البريئة ويترك هذا النزاع ضمور متلازم؟ “.

تنهض الفكرة الجوهرية للقصة على تأمل مفجع لطبيعة العجز البشري أمام أشكال الانتهاك الخفي داخل المؤسسة الأسرية، حيث يتحول الأب الذي يُفترض فيه أن يكون مصدر الطمأنينة المطلقة إلى مصدر للرعب والتربص..

هذا الانحراف في بوصلة الأمان يولد لدى البطلة “خديجة” استجابات دفاعية معقدة؛ فالصلصال الذي تحمله أينما ذهبت ليس مجرد لعبة طفولية، وإنما هو محاولة بائسة ومستميتة لترميم شروخ العالم الخارجي وإعادة إحكام إغلاق الجدران المتهالكة.

وتتجلى عبقرية البناء الدلالي في تفكيك ثنائية “الحضن”؛ فالأم تمثل مساحة النقاء والطمأنينة الوحيدة، بينما يقف الحضن الأبوي كفضاء ضيق خانق يترصد الأنوثة, ويغتالها قبل أن نضجها.

على مستوى بناء الشخصيات، نسجت الكاتبة خيوط شخوصها عبر شبكة من التقابلات النفسية والاجتماعية. فتمثل “خديجة” الشخصية المركبة الحساسة التي تنضج قسرًا عبر الألم والرفض الصامت للواقع، بينما تبرز “رباب” كممثل لنمط بشري آخر يسكنه الرضوخ والامتثال, متكئة على وهم اكتساب المكانة عبر الدلال الأبوي الأجوف… وتتجسد الأم, كرمز للوعي التقليدي الغافل, عاجزة عن قراءة ما وراء الظاهر المرضي للصلصال…

وقد وظّفت الكاتبة أماكن في النص بطاقة تعبيرية عالية تتجاوز كونها مجرد مسرح للأحداث لتصبح كائنات حية تشارك في صناعة نمط وتراكم التوتر…

أما على صعيد التشكيل اللغوي والأسلوبي… فقد انحاز النص إلى اقتصاد لغوي صارم يبتعد عن التضخم, مستثمرًا الحواس ببذخ لإخراج التجريد النفسي إلى حيز الملموس؛ الرائحة؛ والقيء، وملمس الصلصال، والنهاية صلابة الدبوس، وعين الأب المتربصة خلف الثقب، كلها عناصر تضافرت لبناء مشهدي سينمائية تقطر رعبًا صامتًا.

وتتوج القصة ذروتها الدرامية بخاتمة صادمة ومحسوبة بعناية، فالانتقال من استخدام الصلصال المهادن إلى استخدام دبوسين اثنين لحسم الأمر, وقد جاء عكس الإغلاق المطلق, كان “ثقب” وبمنطق جوهري هو إغلاق النور عن العين المتسببة منذ البداية بنشأة المتلازمة القائمة عليها بناء القصة..

ويعد هذا حدث قصصي انتقالي, يتسم بالجراءة غير المتوقعة, أراه من ناحية جدية أنه كإعلان عن بلوغ أقصى درجات التحرر, والانتقام الرمزي, وهو نوع مختصر ومكتسب من نهوض العدالة النفسية القصوى, ما جعلت هذا الأثر السردي يغور بعمق في ضيم النفس البشرية, ويشكل جغرافيات الخوف الدفينة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى