من محاكم المنصات إلى عدالة الوعي
د م مدحت يوسف
8 سبتمبر 2026
ما نشهده من زخم متصاعد عبر وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد اتساع في مساحة التعبير وتعدد مصادر المعلومات بل أصبح تحولا في طريقة فهم الأحداث والحكم عليها حتى غدا كل هاتف وسيلة للتصوير وكل حساب منصة للنشر وكل متابع قاضيا يصدر الحكم أو محاميا يتولى الدفاع أو محكما يفصل في النزاع أو مدينا يشجب ويستنكر أو مؤيدا يبرر ويدافع
وقد صنعت بعض المنصات من نفسها محاكم رقمية مفتوحة وكأنها بديل عن مؤسسة القضاء والعدالة وهي من أعرق مؤسسات الدولة وأرسخ ضماناتها فالعدالة لا تقوم على مقطع مجتزأ أو انطباع سريع ولا تصدر أحكامها تحت ضغط التفاعل وإنما تعتمد على التحقيق والأدلة وسماع جميع الأطراف وتطبيق القانون في إطار يصون الحقوق ويحفظ الكرامة
وما أثير حول زيارة معالي محافظ القليوبية وموقف السيدة الفاضلة مديرة إحدى المدارس والسيد الفاضل مدير المدرسة الأخرى ليس إلا نموذجا لما يتكرر في وقائع كثيرة تتحول سريعا من أحداث لها سياقها وإجراءاتها إلى مادة للاشتعال الرقمي يتناولها الجميع من زوايا مختلفة رغم أن ما يظهر في الصورة قد لا يمثل الحقيقة كاملة
ولن أكون مع طرف أو ضد آخر لأن الإنصاف يقتضي ألا نحكم على إنسان من لقطة ولا على مسؤول من لحظة ولا على مؤسسة من مشهد منفصل عن سياقه فالمسؤول مطالب بالمتابعة والمحاسبة وحماية المال العام وتحسين مستوى الخدمة كما أنه مطالب بالحكمة واحترام كرامة الآخرين والموظف مطالب بأداء واجبه والانضباط وتحمل المسؤولية كما أن من حقه أن يسمع دفاعه وأن يحاسب من خلال إجراءات عادلة
لا يوجد إنسان فوق المساءلة كما لا يوجد إنسان يجوز أن تهدر كرامته باسمها
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في واقعة بعينها بل في ثقافة تجعل الانتصار في النقاش أهم من الوصول إلى الحقيقة وتجعل كل طرف حريصا على إثبات أنه الفائز وأن غيره هو المخطئ حتى يترك بعض الناس ما هم مكلفون به في مواقعهم وينصرفون إلى إدارة معارك رقمية لا تبني واقعا ولا تقدم حلا
وهنا تتحول وسائل التواصل الاجتماعي كل يوم إلى حريق جديد يلتهم شيئا من الأخلاق والقيم والمبادئ ويتقدم فيه الانفعال على العقل والاتهام على التثبت والسخرية على الاحترام ويصبح المختلف خصما ينبغي إسقاطه لا إنسانا له حق الرأي والكرامة
هذه هي الهمجية الفكرية التي يجب أن نتوقف أمامها وهي ليست وصفا للأشخاص بل لحالة يضيع فيها التمييز بين الخبر والرأي وبين الدليل والانطباع وبين الرقابة المشروعة والتشهير وبين حرية التعبير والاعتداء على حقوق الآخرين
لقد أصبحت المعلومات متاحة بلا حدود لكن سهولة الوصول إليها لا تعني امتلاك الوعي بها وقد تقود كثرتها وسرعة تداولها إلى تشتت معرفي يجعل الإنسان يصدر حكمه قبل أن يفهم ويعيد النشر قبل أن يتحقق ويتبنى موقفا قبل أن تكتمل أمامه الوقائع
والوعي الفكري المطلوب في هذا العصر يبدأ بالتوقف قبل النشر والتحقق قبل الحكم وفهم السياق قبل اتخاذ الموقف واحترام اختصاص المؤسسات وحق كل إنسان في الرد والدفاع
فليس كل ما يمكن تصويره يجب نشره وليس كل ما يصل إلينا يحق لنا تداوله وليست كل لقطة دليلا مكتمل الأركان فالحرية مسؤولية والشفافية لا تبيح انتهاك الخصوصية والرقابة لا تعني الإهانة والمحاسبة لا تتعارض مع حفظ الكرامة
ومن هنا نحتاج إلى حوكمة واضحة للتصوير والنشر في المؤسسات العامة والمدارس والمستشفيات وأماكن العمل تحدد من يملك حق التصوير ومن يصرح بالنشر وكيف توثق الزيارات الرسمية ومتى تصبح الواقعة محل تحقيق ومتى يجوز إعلان نتائجها
كما نحتاج إلى تفعيل القوانين القائمة وتطوير ما يلزم منها بما يناسب الواقع الرقمي المتغير ويحمي الخصوصية والسمعة وحقوق الأطفال والعاملين والمواطنين دون أن ينتقص من حق المجتمع في المعرفة أو حق الدولة في الرقابة والمحاسبة
ويقع على الإعلام واجب التحقق وتقديم السياق بدلا من إعادة إنتاج الضجيج وعلى الأسرة أن تعلم أبناءها أن الهاتف أمانة وأن نشر صورة أو كلمة قد يصنع أثرا لا يمكن استرداده وعلى المدرسة أن تغرس أدب الحوار واحترام الكبير وحق الصغير في المعاملة الحكيمة
أما المسؤول فعليه أن يقدم نموذجا في الحزم دون تجريح وفي الرقابة دون استعراض وفي المحاسبة دون إهدار للكرامة وعلى الموظف أن يدرك أن موقعه تكليف وأن احترام الوظيفة يبدأ من أداء واجباتها
كل منا مسؤول في موقعه وكل منا يؤدي دورا في منظومة الحياة ولا تقاس المسؤولية بحجم المنصب بل بحجم الأثر الذي نتركه في الآخرين
المجتمع المتحضر لا يبنى بانتصار طرف وهزيمة آخر بل بانتصار الحقيقة والقيم وسيادة القانون واحترام المؤسسات وصون كرامة الإنسان
لن يبقى المنصب ولن يبقى الجدل ولن تبقى ضوضاء المنصات
سيبقى فقط ما صنعناه من أثر
ومن هنا نبدأ …
بوعي لا يدين قبل أن يفهم وبقانون يحاسب دون أن يهين وبمسؤول يؤدي واجبه بحكمة وبمواطن يمارس حقه بمسؤولية وبمجتمع لا يبحث عن منتصر ومهزوم بل عن حقيقة تحفظ الإنسان ودولة يحكمها القانون وقيم تبني الحياة








