زيارة المحافظ المفاجئة للمدارس..
عندما تكشف الجولة الحقيقة الغائبة عن التقارير
روشتة علاج للتعليم من كبير معلمين أفنى عمره في التعليم
بقلم: ممدوح عكاشة
في الوقت الذي تستعد فيه مدارس محافظة القليوبية لاستقبال العام الدراسي، جاءت الزيارات المفاجئة للمحافظ لتضع منظومة المتابعة التعليمية أمام اختبار حقيقي، وتكشف أن هناك فرقًا كبيرًا بين ما يُكتب في التقارير، وما يحدث بالفعل داخل المدارس.
فالزيارة المفاجئة لأي مسؤول ليست مجرد جولة تفقدية، وإنما هي وسيلة مهمة لاكتشاف الواقع كما هو، بعيدًا عن الترتيبات المسبقة والزيارات التي يعلم بها الجميع قبل حدوثها.
وخلال زيارة محافظ القليوبية المفاجئة لعدد من المدارس، ظهرت ملاحظات تتعلق بعدم جاهزية بعض المدارس، وهو أمر يطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله:
أين كانت زيارات مسؤولي الإدارات التعليمية؟ وأين كانت المتابعة الميدانية قبل وصول المحافظ؟
إذا كان المسؤول عن الإدارة التعليمية ينزل إلى المدارس بشكل مستمر، ويتابع استعداداتها، فمن المفترض أن تكون غالبية الملاحظات قد تم اكتشافها والتعامل معها قبل أن يصل إليها المحافظ بنفسه.
مدرسة الشهيد أحمد سمير.. أين كانت المتابعة؟
ومن أبرز ما يستحق التوقف أمامه ما ظهر خلال زيارة المحافظ إلى مدرسة الشهيد أحمد سمير، حيث تبين أن مديرة المدرسة سبق أن تقدمت بمخاطبات إلى الإدارة التعليمية بشأن بعض الاحتياجات والملاحظات التي تحتاج إلى تدخل، إلا أن التحرك المطلوب من مسؤولي الإدارة لم يتم بالصورة التي تضمن سرعة معالجة هذه الأمور.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
كيف ترفع إدارة مدرسة مخاطبات إلى الإدارة التعليمية ولا تجد الاستجابة المطلوبة، ثم يأتي المحافظ في زيارة مفاجئة ليجد بنفسه ما يستوجب التدخل؟
والأمر الأكثر إثارة للتساؤل أن أحد مسؤولي الإدارة التعليمية كان قد قام بزيارة المدرسة قبل فترة قريبة، وشهدت الزيارة التصوير والتوثيق، ولكن لم تظهر خلالها – بحسب ما تكشفه الواقعة – ملاحظات واضحة بحجم ما ظهر أثناء زيارة المحافظ.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا:
هل أصبحت بعض الزيارات الميدانية مجرد حضور والتقاط الصور؟ أم أن الهدف الحقيقي منها هو اكتشاف المشكلات ومتابعة حلها؟
فالمدرسة لا تحتاج إلى صورة لمسؤول أمام بوابتها، ولا تحتاج إلى تقرير مكتبي يقول إن الأمور على ما يرام.
المدرسة تحتاج إلى مسؤول يرى المشكلة، ويسجلها، ويرفعها للجهة المختصة، ويتابع حلها حتى النهاية.
اللقطة ليست إنجازًا
لا أحد يعترض على توثيق الزيارات أو نشر أخبار الجولات، ولكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التصوير هو الهدف، والمتابعة هي الغائبة.
فاللقطة التي تجمع مدير الإدارة أو مسؤول العلاقات العامة داخل المدرسة لا يمكن أن تكون دليلًا على نجاح الزيارة.
الدليل الحقيقي هو أن يدخل المسؤول المدرسة، ويتفقد الفصول ودورات المياه والأسوار والمرافق، ويراجع النظافة والصيانة والانضباط، ويسأل عن المشكلات، ثم يعود مرة أخرى ليتأكد من أن ما تم رصده قد تم إصلاحه.
هنا فقط يمكن أن نقول إن هناك متابعة حقيقية.
أين دور مدير الإدارة التعليمية؟
مدير الإدارة التعليمية لا يستطيع بالطبع زيارة كل مدرسة يوميًا، لكن من صميم مسؤوليات الإدارة وجود منظومة متابعة فعالة تعمل على مدار الوقت.
فالمحافظ عندما يقوم بجولة مفاجئة لا ينبغي أن يكون هو أول مسؤول يكتشف المشكلة.
وإذا كانت هناك مدرسة تعاني من مشكلة معروفة، ومديرها أرسل مخاطبات رسمية بشأنها، ثم لم تتحرك الإدارة بالسرعة المطلوبة، فهنا يجب مراجعة منظومة المتابعة والمساءلة.
والأمر لا يتعلق بتحميل المسؤولية لشخص بعينه، وإنما يتعلق بإصلاح آلية العمل نفسها.
نريد متابعة حقيقية.. لا متابعة على الورق
القليوبية تحتاج إلى منظومة تعليمية تعتمد على المتابعة المستمرة، وليس انتظار زيارة المحافظ لاكتشاف أوجه القصور.
نريد زيارات مفاجئة من مسؤولي الإدارات للمدارس.
نريد تقارير حقيقية، وليست تقارير مجاملة.
نريد متابعة لما تم رصده في الزيارة السابقة.
ونريد أن يكون مسؤول المتابعة مسؤولًا عن المشكلة حتى يتم حلها، وليس فقط حتى ينتهي من كتابة التقرير.
كما يجب أن تكون هناك مراجعة لكل مدرسة قبل بدء الدراسة، بحيث تكون جاهزيتها واقعًا ملموسًا وليس مجرد بيانات وتقارير.
رسالة إلى مسؤولي التعليم
زيارة المحافظ المفاجئة ليست مشكلة لمسؤولي الإدارات التعليمية، بل هي فرصة حقيقية لمعرفة مواطن الخلل وإصلاحها.
لكن الرسالة الأهم هي:
لا تنتظروا زيارة المحافظ حتى تعرفوا حقيقة مدارسكم.
انزلوا إلى الميدان قبل أن ينزل المحافظ.
ادخلوا المدارس دون إخطار مسبق.
استمعوا إلى مديري المدارس والمعلمين.
اقرؤوا المخاطبات التي ترفعها المدارس.
تابعوا ما تم تنفيذه.
وعندما تنشرون صورة لزيارة ميدانية، فلتكن الصورة مصحوبة بإنجاز حقيقي على الأرض.
فالتعليم لا يُدار بالكاميرات، ولا بالصور، ولا بالتصريحات.
التعليم يُدار بالمتابعة والمحاسبة والعمل الميداني.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن تجيب عنه الإدارات التعليمية بكل وضوح:
إذا كان المحافظ يستطيع أن يكشف في زيارة مفاجئة ما لم تكشفه الزيارات السابقة، فأين كانت المتابعة؟
المشكلة ليست أن المحافظ وجد قصورًا.. المشكلة أن القصور كان يمكن اكتشافه وعلاجه قبل أن يصل المحافظ إلى المدرسة.
وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي.








