مراجعةُ الفكر بين التجربة والعلم
بقلم الأديب د.محمود طه
أحيانًا يراودني التفكير في المطروح: هل ما قدَّمته طوال السنوات الماضية كان كافيًا، أم ما زالت لديَّ طاقةٌ كبيرة لا يمكن إيقافها؟
وهذه الطاقة لا تأتي من فراغ، بل تتولَّد من عواملَ متعددة، تتداخل فيها الظروف المحيطة، والتجارب الحياتية، سواء أكانت تجاربي الذاتية أم تجارب الآخرين، ومدى انعكاس تلك التجارب علينا، حتى نستطيع أن نخرج منها بأفضل قيمةٍ ممكنة، ونحوِّلها إلى معرفةٍ وإنتاجٍ لهما أثرٌ حقيقي.
ثم أتساءل: هل ما زال الفكر قائمًا على أُسُسٍ متينة، أم تشوبه بعض التناقضات التي تجعله مشتتًا بين هذا وذاك؟ وهل الاختلاف في الرؤية يُعدُّ تناقضًا، أم أنه في بعض الأحيان صورةٌ من صور التطور والنضج الفكري؟
وهنا يبرز سؤالٌ أكثر عمقًا: هل تستطيع الأُسُس النظرية، حين تعانق الفكر الإنساني وتتفاعل مع التجربة الحياتية، وفي ظل الأطروحات العلمية الحديثة، أن تصل بنا إلى رؤيةٍ أكثر وضوحًا واتزانًا؟
إن الفكر الحقيقي، في رأيي، ليس مقتصرًا على ما تم تحقيقه في الماضي، ولا يعني التوقف عند أفكارٍ جديدة لمجرد طرحها، بل هو أعمق من هذا كله؛ فهو ليس بكثرة المطروح، وإنما بجودته، وبقدرته على إحداث الأثر في أعماق القرَّاء.
فالفكر الذي لا يصل إلى قلب قارئه وعقله، ولا يترك فيه أثرًا أو يفتح أمامه أفقًا جديدًا، يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته؛ لأنه يظل سجينًا في قفص النمطية غير المتزنة، حتى يستفيق من غفلته، ويتحرر من أنماطه الجامدة، وينتقل من حالة التكرار إلى آفاق الإبداع.
فالفكر الحقيقي هو الذي يستطيع أن يغيِّر من نمطيته المميتة إلى صورٍ إبداعية متجددة، وأن يصوغ أفكارًا تلامس العقل والوجدان، وتخاطب الروح، وتمنح القارئ مساحةً للتأمل وإعادة النظر.
وهنا تكمن قيمة الفكر ودوره الأساسي في بناء المجتمع ونهضته.








