أدب وثقافة

حين خرج المماليك من الظل

التاريخ من وراء الستار

حين خرج المماليك من الظل

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

من جنودٍ في جيش الأيوبيين إلى رجالٍ سيحملون عبء مواجهة أخطر عاصفة عرفها الشرق

قبل أن نبدأ في هذه السلسلة لا نسير دائمًا في خط مستقيم.

أحيانًا نترك مصر ونعبر إلى الشام.

وأحيانًا نترك الشام ونعبر إلى بغداد.

وأحيانًا نعود سنوات إلى الوراء، لنفهم كيف وصل رجل إلى اللحظة التي وجدناه فيها.

ولذلك قد ننتقل من مكان إلى آخر، ومن زمن إلى زمن، وكأننا نعبر البحر أو نطير عبر الزمن.

لأن التاريخ لم يكن ينتظر مدينة حتى تنتهي قصتها ليبدأ قصة مدينة أخرى.

كان كل شيء يحدث في وقت واحد.

وفي هذه الحلقة سنعود إلى مصر.

إلى السنوات التي خرج فيها المماليك من الظل.

ليس لأنهم ظهروا فجأة،بل لأنهم كانوا هناك منذ سنوات، يصنعون القوة التي ستغيّر وجه مصر والشام.

وسيظهر في الطريق رجال عدة:

أيبك.

وأقطاي.

وبيبرس.

وقطز.

والشيخ العز بن عبد السلام.

ثم في آخر الطريق، ستظهر بغداد.

لكننا لن نسقطها اليوم.

سنتركها للمقال القادم.

كانت مصر قد خرجت لتوها من واحدة من أخطر أزماتها.

الحملة الصليبية السابعة.

مات السلطان الصالح نجم الدين أيوب.

دخل الصليبيون دمياط.

وصل لويس التاسع إلى قلب مصر.

ثم كانت المنصورة وفارسكور.

وانتهت الحملة بأسر ملك فرنسا.

لكن النصر العسكري لم يعنِ أن الدولة خرجت من الأزمة.

على العكس.

كان النصر قد كشف شيئًا آخر:

أن القوة الحقيقية في مصر لم تعد موجودة في القصر وحده.

كانت هناك قوة جديدة تتشكل داخل الجيش.

قوة اسمها:

المماليك.

من هم المماليك؟

لم يكن المماليك قومًا واحدًا، ولا قبيلة واحدة، ولا شعبًا له أرض محددة.

كانوا في الأصل مماليك جُلب كثير منهم من مناطق تركية وقوقازية وغيرها، ثم أُدخلوا في نظام عسكري شديد الانضباط.

يتعلمون الفروسية.

والرماية.

واستخدام السلاح.

ويتربون داخل المؤسسة العسكرية.

وكان المملوك لا يصبح مجرد جندي.

كان يدخل في علاقة ولاء شخصية مع سيده الذي اشتراه وربّاه، ثم يرتقي في السلم العسكري حتى يصبح أميرًا وقائدًا.

ومع مرور الوقت، أصبح بعض هؤلاء الرجال أكثر تأثيرًا من رجال ولدوا داخل البيوت الحاكمة نفسها.

وكان السلطان الصالح نجم الدين أيوب من أكثر السلاطين اعتمادًا عليهم.

فأنشأ لهم قوة كبيرة في جزيرة الروضة بالقاهرة.

ومن هنا اشتهر فريق مهم منهم باسم:

المماليك البحرية.

لم يكن الصالح أيوب يعلم أنه وهو يبني قوة تحمي عرشه،كان يبني القوة التي ستصنع عروشًا بعده.

وهنا تبدأ المفارقة.

عندما مات السلطان

في سنة 1249م مات الصالح نجم الدين أيوب بينما كانت الحملة الصليبية السابعة تضرب مصر.

وكانت الدولة أمام خطرين في الوقت نفسه:

عدو خارجي يقف على أرضها.

وصراع داخلي حول من يملك حق الحكم.

تولت شجر الدر إدارة الأزمة، وأخفت خبر وفاة السلطان فترة من الوقت حتى لا تنهار معنويات الجيش.

ثم جاء توران شاه.

لكن العلاقة بين السلطان الجديد والمماليك لم تستقر.

كان توران شاه ابن السلطان الصالح، لكنه لم يكن الرجل الذي أراده المماليك.

وتصاعد التوتر.

حتى انتهى الأمر بقتله.

وهنا انتهت عمليًا الدولة الأيوبية في مصر.

لكن المماليك لم يعلنوا منذ اللحظة الأولى أنهم سيحكمون مصر.

كانت الخطوة الأولى أكثر حذرًا.

رفعوا شجر الدر إلى السلطنة.

امرأة على عرش مصر.

وكانت تلك لحظة استثنائية.

لكنها لم تستطع أن تستمر طويلًا.

جاء الاعتراض من بغداد.

وكان الخليفة العباسي المستعصم بالله غير مستعد لقبول أن تكون مصر تحت حكم امرأة.

فأصبح لا بد من إيجاد رجل يجلس على العرش.

وهنا ظهر:

عز الدين أيبك.

أيبك، الرجل الذي جلس على العرش

كان أيبك من كبار مماليك الصالح نجم الدين أيوب.

واختير للسلطنة.

لكن اختيار أيبك لم يكن مجرد تعيين سلطان جديد.

كان بداية تحول حقيقي.

لأول مرة أصبح واحد من المماليك هو السلطان نفسه.

لكن الدولة لم تكن قد أصبحت مملوكية بصورة مستقرة بعد.

فالأيوبيون ما زالوا موجودين.

والخلافة العباسية ما زالت قائمة.

والأمراء المماليك أنفسهم لم يكونوا كتلة واحدة.

وكان على أيبك أن يحكم وسط شبكة معقدة من المصالح.

وكان أخطر هذه القوى:

المماليك البحرية.

فهؤلاء لم يكونوا جنودًا عاديين.

كانوا رجالًا قاتلوا في المنصورة وفارسكور.

وكان بينهم أمراء يملكون أتباعًا وجنودًا وثروة ونفوذًا.

ومن بين هؤلاء ظهر رجل أصبح اسمه مرادفًا لقوة البحرية:

فارس الدين أقطاي الجمدار.

أقطاي حين أصبح الأمير أخطر من السلطان

كان أقطاي من كبار مماليك الصالح أيوب.

وكان من أبرز رجال البحرية.

ومع مرور الوقت اتسع نفوذه.

أصبح حوله عدد كبير من الأمراء والمماليك.

وكان بيبرس البندقداري واحدًا من أبرز الرجال المرتبطين بهذه المجموعة.

وكان أقطاي يتصرف بقوة جعلت وجوده نفسه يتحول إلى مشكلة بالنسبة لأيبك.

لم يعد الأمر مجرد أمير يخدم السلطان.

بل أصبح هناك أمير يملك حوله رجالًا قادرين على التحرك.

وهنا بدأ الصراع الحقيقي.

من يحكم مصر؟

السلطان الذي يجلس في القلعة؟

أم الأمراء الذين يملكون القوة خارجها؟

وكان أقطاي يزداد قوة.

حتى وصل الأمر إلى أنه أراد أن يتخذ من قلعة الجبل مسكنًا له.

وكان ذلك بالنسبة إلى أيبك أكثر من مجرد طلب سكن.

كان رسالة سياسية.

فالقاهرة كانت تفهم معنى أن يدخل أمير قوي إلى القلعة ويصبح وجوده فيها طبيعيًا.

وهنا قرر أيبك أن الخطر يجب أن ينتهي.

مقتل أقطاي

في شعبان سنة 652هـ / 1254م استُدعي أقطاي إلى قلعة الجبل بحجة المشورة.

دخل الرجل.

لكن مماليكه مُنعوا من الدخول.

ثم أُغلق عليه الطريق.

وكان بين الرجال الذين شاركوا في قتله:

قطز.

نعم الرجل الذي سيقف بعد سنوات أمام المغول كان في هذه اللحظة واحدًا من الرجال الذين شاركوا في إنهاء نفوذ أقطاي.

وقُتل أقطاي.

ثم أُلقي رأسه إلى رجاله.

وهنا حدث شيء مهم.

لم ينتظر رجال البحرية ليعرفوا ماذا سيحدث.

هربوا من القاهرة.

وكان من بينهم:

بيبرس البندقداري.

خرج بيبرس إلى الشام.

ولم يكن أحد يعرف أن هذا الرجل الذي يهرب اليوم من مصر،سيعود إليها بعد سنوات ليقف إلى جانب قطز في أخطر معركة عرفتها المنطقة.

وهنا يظهر أحد قوانين التاريخ:

قد يخرج الرجل من بلده هاربًا ثم يعود إليها ليصنع تاريخها.

أيبك ينتصر لكنه لا ينجو

بعد مقتل أقطاي استطاع أيبك أن يثبت سلطته أكثر.

لكن صراع السلطة لم ينتهِ.

فأيبك دخل في صراعات أخرى، وكانت علاقته بشجر الدر نفسها تنتهي نهاية مأساوية.

وفي سنة 1257م قُتل أيبك.

ثم جلس ابنه المنصور علي

على العرش.

وكان صغير السن.

وهنا أصبحت مصر أمام مشكلة جديدة.

السلطان موجود لكن الدولة لا تنتظر.

مصر بين طفل على العرش وأمراء في الظل

لم تكن المشكلة أن المنصور علي لم يكن سلطانًا.

بل كانت المشكلة أن السلطنة في ذلك الوقت كانت تحتاج إلى رجل يستطيع أن يتحرك بسرعة.

فالأمراء يتنافسون.

والجيش يحتاج إلى قيادة.

والأيوبيون في الشام ما زالوا موجودين.

وفي الشرق كانت قوة جديدة تقترب.

المغول.

وهنا بدأ اسم رجل آخر يصعد.

رجل عرفناه قبل قليل عند مقتل أقطاي.

قطز.

لم يكن قطز في ذلك الوقت سلطانًا.

كان أميرًا من الأمراء.

لكنه كان يعرف المؤسسة المملوكية من الداخل.

وعرف كيف تعمل موازين القوة.

وعرف أن الخطر القادم لا يشبه أي خطر واجهته مصر من قبل.

العاصفة تأتي من الشرق

في الوقت الذي كانت فيه القاهرة تعيش صراعها الداخلي،كان العالم الإسلامي في الشرق يعيش كارثة.

المغول لم يعودوا مجرد قوة بعيدة.

لقد سقطت مدن.

وانهارت دول.

وأصبحت بغداد نفسها مهددة.

وكان هولاكو يتحرك غربًا.

وفي الشام بدأت الأخبار تصل.

ثم جاءت الرسائل.

تهديدات المغول وصلت إلى الأمراء.

وأصبح السؤال واضحًا:

إذا سقطت الشام،فمصر ستكون التالية.

وهنا تغيرت المسألة.

لم يعد الصراع:

من يحكم؟

بل أصبح من يستطيع أن ينقذ الدولة؟

العز بن عبد السلام يدخل المشهد

وهنا يظهر رجل لم يكن قائدًا عسكريًا.

ولم يكن أميرًا.

ولم يكن من المماليك.

لكن وجوده في هذه اللحظة كان بالغ الأهمية.

إنه العز بن عبد السلام.

الشيخ الذي اشتهر بقوة موقفه أمام السلاطين والأمراء.

وكان وجوده في مصر يتجاوز حدود الدرس والفتوى.

كان عالمًا له تأثير في المجتمع والسلطة.

وعندما وصل خطر المغول إلى مرحلة الخطر الحقيقي، لم يعد السؤال عسكريًا فقط.

كان هناك سؤال شرعي أيضًا:

كيف تُجهز الدولة جيشًا للحرب؟

ومن أين تأتي الأموال؟

وهل يجوز أخذ المال من الناس؟

وهنا اجتمع قطز بالفقهاء، وكان العز بن عبد السلام في مقدمتهم، وبحثوا في مسألة أخذ الأموال اللازمة لتجهيز الجيش.

وهذه لحظة مهمة جدًا.

لأننا نكتشف أن المعركة القادمة لم تكن تُصنع بالسيف وحده.

كان لا بد من:

جيش.

ومال.

وشرعية.

وإرادة سياسية.

وعلماء يقفون خلف قرار المواجهة.

وهنا كان العز بن عبد السلام جزءًا من المشهد.

ليس قائدًا للجيش،لكن صوته كان حاضرًا في اللحظة التي كانت مصر تستعد فيها لحرب المصير.

قطز يتخذ القرار

كان قطز يرى أن بقاء المنصور علي، وهو سلطان صغير السن، لا يتناسب مع حجم الخطر.

ولذلك تحرك.

في سنة 657هـ / 1259م قبض على المنصور علي.

وأبعده عن الحكم.

ثم جلس قطز على عرش مصر.

وتلقب بالملك المظفر.

لم يكن هذا انقلابًا من أجل العرش فقط.

قطز كان يقدم مبررًا واضحًا:

الدولة تحتاج إلى سلطان قادر على قيادة الجيش في مواجهة العدو القادم.

وقد احتاج إلى إقناع الفقهاء والقضاة بقراره.

لأن المسألة لم تعد مجرد صراع بين أمراء.

كانت مصر تستعد للحرب.

والحرب تحتاج إلى دولة موحدة.

وهكذا خرج قطز من دائرة الأمراء

إلى دائرة السلطان.

لكن العرش الذي جلس عليه لم يكن عرشًا للراحة.

كان عرشًا فوق برميل من النار.

وبيبرس يعود

في الشام كان بيبرس.

الرجل الذي خرج منها بعد مقتل أقطاي.

والآن تغير كل شيء.

أيبك مات.

أقطاي مات.

المنصور علي أُبعد.

وقطز أصبح سلطانًا.

أما المغول فكانوا يقتربون.

فهم بيبرس أن اللحظة التي كان يمكن فيها للعداء القديم أن يستمر قد انتهت.

عاد إلى مصر.

واستقبله قطز.

وهنا اجتمع رجلان كان التاريخ سيضعهما في واحدة من أخطر اللحظات:

قطز السلطان.

وبيبرس الأمير المحارب.

لم يكن أحد منهما يملك رفاهية الحسابات القديمة.

فالمغول كانوا أكبر من خصومة بين أمير وسلطان.

وأكبر من ثأر قديم.

وأكبر من صراع المماليك أنفسهم.

كان الخطر يقترب من الجميع.

من أقطاي إلى قطز

وهنا يمكننا أن نفهم كيف خرج المماليك من الظل.

لم يحدث ذلك في يوم واحد.

لم يبدأ الأمر بقطز.

بل بدأ قبل ذلك بسنوات.

الصالح أيوب اعتمد عليهم.

شجر الدر احتاجت إليهم.

أيبك وصل إلى الحكم من بينهم.

أقطاي أصبح قوة كادت تنازع السلطان.

بيبرس خرج من مصر بعد سقوط أقطاي.

وقطز، الذي شارك في قتله، أصبح بعد سنوات سلطان مصر.

ثم عاد بيبرس إلى مصر ليقف تحت راية الرجل الذي كان في يوم من الأيام من رجال الصراع الذي شق صفوف البحرية.

هكذا يصنع التاريخ مفارقاته.

رجال كانوا يتقاتلون على السلطة.

سيصبحون بعد سنوات مضطرين إلى الاتحاد دفاعًا عن وجود الدولة نفسها.

لكن هناك رجلًا آخر لا يجب أن ننساه

العز بن عبد السلام.

لأن قصة هذه المرحلة ليست قصة سلاطين ومماليك فقط.

إنها أيضًا قصة مجتمع كان يعلم أن العاصفة القادمة ليست عاصفة عادية.

فالسلطان يملك الجيش.

والأمير يملك السيف.

لكن العالم يملك الكلمة التي تمنح القرار غطاءه الشرعي.

وهكذا أصبح في القاهرة:

قطز.

وبيبرس.

والأمراء.

والجيش.

والفقهاء.

ومن بينهم العز بن عبد السلام.

وفي الخارج كان هولاكو يقترب.

والآن نترك مصر قليلًا

كان قطز يستعد.

وبيبرس عاد.

والجيش بدأ يتشكل.

لكن هناك سؤالًا لا نستطيع تجاهله:

ماذا حدث في بغداد؟

لأن هولاكو لم يكن يتجه نحو مصر مباشرة.

كان أمامه قلب العالم الإسلامي.

مدينة اسمها:

بغداد.

عاصمة الخلافة العباسية.

المدينة التي ظل اسمها قرونًا رمزًا للقوة والعلم والحضارة.

والآن كان جيش المغول يتحرك نحوها.

وهنا لا يمكننا أن نواصل قصة قطز دون أن نعرف ماذا حدث هناك.

لذلك سنترك مصر للحظات.

سنطوي الخريطة غربًا وشرقًا.

ونعبر الزمن قليلًا.

إلى بغداد.

هناك سنرى كيف وقف آخر خلفاء بني العباس في بغداد أمام هولاكو.

وسنرى كيف سقطت المدينة.

ولماذا لم يكن سقوطها مجرد سقوط عاصمة بل كان سقوط عالم كامل.

ومن بين أنقاض ذلك العالم،

سنعود مرة أخرى إلى قطز.

إلى مصر.

إلى بيبرس.

إلى الشام.

إلى العاصفة.

وإلى اللحظة التي سيقرر فيها المماليك أنهم لن ينتظروا المغول عند أبواب القاهرة.

لكن تلك قصة أخرى.

في المقال القادم:

حين سقطت بغداد

المدينة التي سقطت وسقط معها قرن كامل من التاريخ.

في هذه الحلقة تم ضبط تسلسل الأحداث إلى عدد من المصادر التاريخية، وفي مقدمتها البداية والنهاية لابن كثير، وتاريخ الإسلام للذهبي، إلى جانب كتب التاريخ المتعلقة بالدولة المملوكية والعصر الأيوبي، مع الاستفادة من الروايات التاريخية في ضبط أحداث مقتل أقطاي، وتولي قطز، وعودة بيبرس، ودور العز بن عبد السلام في مرحلة الاستعداد لمواجهة المغول.

زر الذهاب إلى الأعلى