صدى مصرمقالاتمنوعات

 مي جوهر – تكتب. حين تُهدم البيوت على مذبح التريند..

حين تُهدم البيوت على مذبح التريند..

أين رحلنا عن ستر رب العالمين؟

 

 مي جوهر – تكتب

تخيل للحظة أن جدران بيتك قد ذابت لتتحول إلى زجاج شفاف يرى فيه كل عابر سبيل عيوبك، ويلمس جراحك، ويحكم على أقدارك، ويشمت في سقطاتك.

هل سيشعرك هذا بالأمان؟ أم ستشعر بأنك في قفص بلا حياء؟

هذا ليس كابوساً من أفلام الخيال، بل هو واقعنا المرير اليوم. لقد تحولت البيوت، التي جعلها الله سكناً ومودة ورحمة، إلى ساحات مكشوفة، وباتت أسرار الأزواج، وخلافات الأهل، وعورات البيوت، تُبث على الملأ عبر شاشات الهواتف، ليس بحثاً عن حل، ولا طلباً للعدل، بل من أجل تفاعل، وتريند، ولحظات زائلة من الشهرة الرخيصة!

في زمنٍ كان فيه الستر تاجاً على رؤوس الأحرار، أصبح كشف المستور شجاعة مزيفة، ونشر خلافات البيوت حقاً مشروعاً، وتحويل أروقة المنازل إلى محاكم مفتوحة فنّاً رقمياً. لكن، هل سألنا أنفسنا يوماً: ما الثمن الذي ندفعه مقابل هذا التريند؟

أن تبيع سرّك، وعيبك، وجراح من تحب، وتُعرّض أبنائك ووالديك لفضول الغرباء، من أجل أن يتصدر اسمك قائمة “التريند” لساعات، ليس مجرد خطأ فادح، بل هو طعنة في صميم الإنسانية.

الإنسانية التي تعلمنا أن نواري عورات موتانا، هي نفسها التي تأبى أن تُعرّي أحياءنا. كيف نرضى أن تكون مشاكلنا “محتوى” يُستهلك، وتصبح دمعتنا “إعجاباً” يُرصد، وتتحول كرامتنا إلى “خوارزمية” تُسوّق؟

إن هتك أستار البيوت لا يدمر صاحب المشكلة فحسب، بل يمتد إلي أسرته وينخر في جسد المجتمع كله

اعلموا أن البيت هو الملاذ الأخير للإنسان من قسوة العالم. حين يُهدم هذا السور، تفقد الأسرة هيبتها، وتنكسر شوكتها، وقد لا يمكن لم الشمل مرة أخرى بعد أن تطأ أقدام الغرباء حرمة الأسرار.

تجرؤ المجتمع وتبلد المشاعر: حين نرى المشاكل تُنشر كـ “مسلسلات درامية”، نفقد تعاطفنا، ونصبح مجتمعاً لا يرى في ألم الآخرين إلا “تسلية”، وفي عوراتهم إلا “أخباراً عابرة”.

ضياع البراءة: الأبناء هم الضحايا الصامتون. كيف لطفل أن ينمو في بيت تُنتهك حرمة والديه على مرأى من العالم؟ وكيف له أن يحترم مؤسسة الأسرة وهي تُشهر على الملأ؟

وصية رب العالمين.. ونداء الرحمة

لقد جعل الله “الستر” من أسمائه وصفاته، فهو “الستير” الذي يحب الستر. وقد حذرنا رب العالمين من شرف نشر العورات وإشاعة الفاحشة.

فقال سبحانه في محكم التنزيل:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور: 19].

فكيف بمن يشيع عورة نفسه، أو عورة من يعول، أو عورة أي إنسان طوعاً واختياراً، بحثاً عن رضا المخلوقين؟

ولعل أبلغ درس في الإنسانية والرحمة نراه في هدي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي علمنا أن الستر هو صفقة رابحة مع الله لا تخيب أبداً.

يقول رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام:

“مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” [رواه مسلم].

وتخيل يوم يرعاك الله، أن تُستر بستر الله يوم القيامة، يوم تُكشف فيه السرائر، وتُفضح فيه الضمائر، يوم لا ينفع فيه “تريند” ولا “لايكات”، بل ينفع فيه فقط قلب سليم، وسترٌ صنتَه في الدنيا.

دعونا نعيد للبيوت حرمتها

أيها الأصدقاء.. الشاشات ستُطفأ، و”التريند” سيموت، وستزول الشهرة الزائفة، لكن ما سيبقى هو ميزان الأعمال، وحرمة البيوت، وستر رب العالمين.

لنعد إلى أنفسنا، ولنستحِ من الله أن نرفع ستوره التي سدلها على عيوبنا، لنفضحها أمام خلقه.

لنجعل من بيوتنا حصوناً منيعة، ولنكن نحن الأدرع الواقية لأسرارنا وأسرار غيرنا. فبالستر تُصان الكرامات، وبالرحمة تُبنى المجتمعات، وبالحياء تُحفظ الأوطان.

تذكروا دائماً…. ما عُيب من ستر نفسه، ولا شُرف من صان عرضه.

فأغلقوا نوافذ البيوت الزجاجية، وستروا على أنفسكم، وعلى غيركم، فلعل الله أن يسترنا جميعاً بستره يوم لا ظل إلا ظله.

زر الذهاب إلى الأعلى