مقالات

مصر .. مرسى النجاة وبوابة العبور الاستراتيجي

 

​بقلم د : سوزان دوابه
قراءة استراتيجية في زيارة بن سلمان للقاهرة…
​لم تكن زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة في الخامس عشر من سبتمبر 2026 مجرد محطة عابرة في جدول الدبلوماسية الإقليمية، ولا استمراراً بروتوكولياً لتنسيق أخوي معتاد. القراءة المتفحصة لسياق الزيارة واللحظة الجيوسياسية الحاضرة تؤكد أن ما جرى هو إعادة تموضع استراتيجي اضطراري؛ إذ لم يأتِ بن سلمان إلى مصر ليبسط مظلة حماية أو ليقدم شروط القوة الإقليمية، بل جاء بطلب واضح للغوث والتنسيق الاستراتيجي بعد أن اصطدمت الرياض بحدود قدرتها الذاتية على حماية أمنها القومي واقتصادها.
​تأتي هذه الزيارة كمؤشر علني على تحول بنيوي في معادلة الردع بالمنطقة، واعتراف ضمني من القيادة السعودية بأن الاستثمارات التسليحية الفائقة والتحالفات الورقية لم تعد كافية لمنع انكشافها الأمني أمام التهديدات المتصاعدة.
​انفجار البحر الأحمر وتآكل الردع الذاتي
​السبب المباشر الذي دفع بن سلمان للتوجه نحو القاهرة يتلخص في التصعيد الحوثي غير المسبوق في البحر الأحمر ومحيط باب المندب، وصولاً إلى الحادثة المفصلية المتمثلة في استهداف خط أنابيب النفط “شرق-غرب” في الحادي عشر من سبتمبر. هذا الخط لم يكن مجرد أنبوب لنقل الخام، بل كان شريان النجاة الاستراتيجي الذي بنته المملكة لتفادي التهديدات الإيرانية في مضيق هرمز. استهدافه شل القدرة السعودية على المناورة النفطية، وأثبت أن البحر الأحمر لم يعد الملاذ الآمن، وأن الرياض عاجزة بمفردها عن حماية منشآتها الاقتصادية وممراتها البحرية.
​تضاعف هذا الانكشاف بعد تبدد الرهانات السعودية السابقة:
​خيبة الأمل الدولية: التجاهل الأمريكي لطلب التدخل العسكري المباشر؛ حيث اكتفت واشنطن بالدعم الاستخباراتي ورفضت الانخراط المباشر.
​تفكك التحالفات الإقليمية: تملص الشركاء في “اتفاق مكة” (كباكستان) من تقديم أي التزام عسكري ميداني عند أول اختبار عملي.
​الأمن مقابل الاستثمار: معادلة الشراكة المتكاملة
​لم تكن الزيارة أمنية بحتة، بل جاءت محمولة بالملف الاقتصادي الضاغط الذي يمثل المحرك الفعلي للعلاقات؛ فبينما تدرك الرياض أن استقرار مصر هو خط الدفاع الأول عن الأمن الخليجي، صاغ الطرفان معادلة تقوم على التنسيق الأمني والعسكري المتبادل مقابل ضخ استثمارات سعودية مباشرة، وتجديد الودائع لدى البنك المركزي المصري، وتسريع مشاريع الطاقة الشاملة مثل مشروع الربط الكهربائي وضمان الاستثمارات السعودية في ساحل البحر الأحمر.
​اشتعال السودان وغزة: اتساع دائرة التهديد
​فرضت الملفات الإقليمية الملتهبة نفسها على طاولة المباحثات؛ حيث تشترك القاهرة والرياض في القلق تجاه تفاقم الصراع في السودان وتأثيره المباشر على أمن البحر الأحمر، وهو ما تطلب توحيد مسار “منبر جدة” مع الرؤية الأمنية المصرية. كما خيمت ترتيبات “اليوم التالي” في قطاع غزة والضغوط الجيوسياسية الناجمة عنها على المحادثات لمواجهة سيناريوهات التهجير وفرض التهدئة الإقليمية.
​البراغماتية المصرية وحقيقة التعهدات
​في هذا الفراغ الاستراتيجي، برزت القاهرة كالثقل الوحيد القادر على إعطاء الغطاء السياسي والأمني الذي يعيد التوازن للموقف السعودي، ولكن وفق عقيدة مصر العسكرية الصارمة وبراغماتيتها الحذرة:
​حماية شريان قناة السويس:
التحرك المصري مرتهن بمصلحة ذاتية حيوية، تتمثل في ضمان حركة الملاحة في البحر الأحمر منعاً لخنق الممر المالي لقناة السويس.
​دعم مشروط ومحدد: تقديم الدعم الاستخباراتي، التنسيق البحري، والغطاء السياسي، دون التورط في إرسال قوات برية أو خوض حرب استنزاف بالنيابة عن أحد.
البعد الروحي ؛ يد الله، حلم القيادة، وفجر العهد الجديد
​إن قراءة هذه التطورات بالعين المجردة لا تكتمل إلا بالنظر إلى البعد الروحي والقدري لخارطة المنطقة؛ فمصر في طريقها لتحقيق حلم قيادتها ومكانتها المستحقة، ليس بفعل يد بشرية أو ترتيبات سياسية مجردة، بل بيد الله وتدبيره الإلهي.
​تاريخياً واليوم، تثبت مصر أنها كـ “مرفأ نجاة موسى”—المرسى الآمن الذي تلتجئ إليه الأمة عند انغلاق الأفق وانكشاف السبل. إن لجوء الإقليم إلى القاهرة في لحظات الانكشاف العسكري والتخبط الجيوسياسي ليس محض مصادفة، بل هو استرداد لقدر مصر الأزلي بأن تكون صمام الأمان ومقصد النجاة.
​وسيعلم الجميع أن أمن المنطقة واستقرارها لا يصنعان برغبات منفردة أو بوفورات مالية، بل بقوة تثبت الأيام أنها محروسة برعاية إلهية تجعل من مصر دائماً الملاذ والملجأ الأخير. سيأتي اليوم الذي تتجمع فيه الدول العربية كيد واحدة تهدف إلى السلام وإعمار الأرض لتكون تحت قيادة مصر، وهذا ليس ببعيد؛ فكل الأحداث الشاخصة تؤكد أننا اقتربنا كثيراً من بداية عهد جديد، حتى وإن سبقت ذلك محاولات وعراقيل من الأطراف المعادية لهذا السلام، فستظل يد الله فوق أيديهم وينفذ قدره ومشيئته.

زر الذهاب إلى الأعلى