صدى مصرمقالاتمنوعات

30 ألف معلم… بين أمل التعيين ووجع الانتظار. كتب/ محمد رمضان أمين

30 ألف معلم… بين أمل التعيين ووجع الانتظار

 

كتب /محمد رمضان أمين

إذا أردت أن تهلك أمة، فلا تبدأ بهدم جدرانها… ابدأ بتدمير تعليمها. فحين ينهار التعليم، لا ينهار حاضر الأمة وحده، بل يتصدع مستقبلها، لأن التعليم هو الذي يصنع عقل الأجيال، والمعلم هو أحد أهم من يحمل هذه الأمانة.

ومن هنا، فإن ما يثار حول مسابقة 30 ألف معلم، وما صاحبها من تساؤلات وشكاوى لدى بعض المتقدمين، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد أرقام في كشوف أو أسماء في نتائج؛ لأن خلف كل اسم إنسانًا،

وخلف كل إنسان أسرة، وخلف كل انتظار سنوات من العمر والأمل.

حين يتحول الانتظار إلى عبء معلمو الدفعة الخامسة لم يطلبوا، في جوهر مطالبهم، تجاوز القواعد أو الحصول على استثناءات.

ما يطلبه كثير منهم هو إجابة واضحة عن أسئلة مشروعة: ما المعايير التي تم على أساسها الاختيار؟ كيف احتُسبت الدرجات؟ لماذا اختلفت النتائج بين بعض المتقدمين؟ وهل طُبقت القواعد والمعايير بصورة موحدة على الجميع؟ فالرفض الواضح، مهما كان مؤلمًا، يمكن للإنسان أن يتعامل معه.

أما أن يعيش المتقدم بين وعد وانتظار، وبين خبر يبعث الأمل وآخر يعيده إلى نقطة الصفر، فذلك يضاعف الضغط النفسي، ويجعل الانتظار نفسه جزءًا من الأزمة.

فالإنسان قد يحتمل أن يُغلق الباب في وجهه، لكنه يتعب حين يظل الباب مفتوحًا قليلًا، ثم يُغلق كلما اقترب منه.

المعلم إنسان قبل أن يكون رقمًا وتداول بعض المتقدمين شهادات مؤلمة عن زملاء تعرضوا لضغوط نفسية شديدة، وعن معلمات ارتبطت بعض قراراتهن الشخصية بمستقبلهن الوظيفي المنتظر، وعن معلمين شعروا أن سنوات الدراسة والتعب أصبحت فجأة بلا تفسير واضح. وهنا يجب أن نتوقف.

ليس الهدف من ذكر هذه الوقائع إثارة التعاطف لمجرد التعاطف، ولا تحويل الألم إلى وسيلة للضغط على أي جهة، وإنما التذكير بحقيقة بسيطة: خلف كل اسم في الكشف إنسان… هل نراه؟ هل نرى من أخبر أسرته أن تعبه لن يضيع؟ هل نرى من بنى خططه على هذا الأمل؟ هل نرى من أخّر بعض قرارات حياته انتظارًا لهذه الفرصة؟ وهل نرى المعلم الذي ظل سنوات يدرس ويجتهد، ثم وجد نفسه أمام نتيجة لا يستطيع فهم أسبابها؟ الاختلاف في المعايير يحتاج إلى تفسير إذا كانت الاختبارات والمعايير الموضوعة للمسابقة تتطلب جوانب طبية أو بدنية أو نفسية، فمن حق المتقدم أن يعرف طبيعة هذه المعايير وحدودها وآلية تطبيقها.

وإذا كان هناك استبعاد بسبب معيار محدد، فمن حق صاحبه أن يعرف سبب الاستبعاد بصورة واضحة. وإذا كانت هناك درجات ومفاضلة، فمن حق المتقدم أن يعرف كيف جرى احتسابها.

وإذا كانت هناك إجراءات للتظلم، فمن الضروري أن تكون معلنة ومفهومة وقابلة للتطبيق دون تعقيد. هذه ليست مطالبة بمنح أحد حقًا لا يستحقه، وإنما مطالبة بأن يكون الطريق إلى النتيجة واضحًا كما هي النتيجة نفسها.

الشفافية لا تعني مخالفة القانون ليس من العدل أن يتحول الحديث عن حقوق المتقدمين إلى اتهام للمؤسسات، كما أنه ليس من الإنصاف أن يُطلب من المتقدمين الصمت لمجرد أن الإجراءات رسمية. الطريق الصحيح يقع بين الاثنين: احترام القانون… مع احترام حق المواطن في المعرفة.

فإذا كانت الإجراءات سليمة، فشرحها يطمئن الناس. وإذا كانت هناك أخطاء، فمراجعتها تصحح المسار. وإذا كان هناك سوء فهم، فالشفافية تزيله. وفي كل الحالات، تكون الحقيقة هي المستفيد الأول.

لا تنتظروا المأساة الأخطر في مثل هذه الملفات ليس فقط أن يختلف شخص مع نتيجة، وإنما أن يتحول الإحباط المتراكم إلى يأس.

وهنا يجب أن ننتبه إلى ما يرويه بعض المتقدمين عن حالات وصلت إلى محاولات لإيذاء النفس بسبب شدة الليأس؛ وهي وقائع ينبغي التعامل معها بجدية إنسانية، والتحقق منها عند نشرها، لا استغلالها إعلاميًا.

فلم ينتحر أحد، وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة، لكن مجرد وصول إنسان إلى التفكير في إيذاء نفسه أو محاولة ذلك هو في حد ذاته إنذار لا ينبغي تجاهله.

المعلم الذي سنطلب منه غدًا أن يعلم أبناءنا الصبر، كيف نتركه اليوم يصارع اليأس وحده؟ والمعلم الذي سنطلب منه أن يعلمهم معنى العدل، كيف نتركه يبحث بنفسه عن تفسير لما يراه؟ المطلوب ليس المستحيل لا أحد يطلب قرارًا بالمجاملة. ولا أحد يطالب بحق ليس له.

المطلوب ببساطة: وضوح يحترم عقول المتقدمين، وشفافية تحترم أعمارهم، ومراجعة تضع الحقيقة فوق كل اعتبار. إذا كانت هناك معايير، فأعلنوها. وإذا كانت هناك درجات، فليعرف أصحابها كيف احتُسبت.

وإذا كانت الإجراءات سليمة، فليُشرح ذلك بوضوح. وإذا كانت هناك أخطاء، فلتُراجع. فالشفافية ليست امتيازًا لأحد، وإنما هي أساس الثقة بين المواطن والمؤسسة.

قد يكون الملف على مكتب المسؤول مجرد أوراق، لكن خلف الورقة عمر إنسان. وخلف الرقم أسرة. وخلف الانتظار قلب أنهكه الأمل والخيبة معًا. لذلك، لا ينبغي أن ننتظر حتى يتحول اليأس إلى مأساة حتى نبدأ في الاستماع.

اسمعوا المعلمين وهم ما زالوا يطلبون حقهم بالكلام، قبل أن يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة التي بقيت لهم. فبعض الناس لا يسقطون من أول صدمة، وإنما يتعبون بعد أن يُمنحوا الأمل مرات، ثم يُسحب منهم مرة بعد أخرى. والإنسان قد يحتمل أن يُغلق الباب في وجهه… لكنه ينهار حين يظل الباب مفتوحًا قليلًا، ثم يُغلق كلما اقترب منه.

زر الذهاب إلى الأعلى