صدى مصرمقالاتمنوعات

خدعة الأرقام.. حين يبدو النجاح أكبر مما نشعر به. بقلم: أ/ هبة شاهين

خدعة الأرقام.. حين يبدو النجاح أكبر مما نشعر به

 

بقلم: أ/ هبة شاهين – الإسكندرية

نعيش في عالمٍ يحب الأرقام.

نسأل عن الراتب قبل أن نسأل عن راحة صاحبه،

وعن الدرجة قبل أن نعرف ما بذله صاحبها، وعن عدد سنوات الزواج قبل أن نعرف كيف يعيش الزوجان، وعن حجم النجاح قبل أن نسأل: هل يشعر الإنسان فعلًا أنه يعيش حياة تستحق؟

وهنا تبدأ خدعة الأرقام.

فالرقم في حد ذاته ليس كاذبًا، لكنه قد يكون مضللًا حين نمنحه معنى أكبر من حجمه.

قد يحصل شخصان على الراتب نفسه، لكن أحدهما يعيش في راحة، بينما يستهلك الآخر معظم دخله في التزامات وظروف لا يختارها. وقد يحصل آخر على راتب أقل، لكنه لا يحمل الأعباء نفسها، فيبقى له من دخله ما يمنحه قدرًا أكبر من الاستقرار.

إذن… هل الرقم وحده يخبرنا من يعيش أفضل؟

بالطبع لا.

حتى النجاح لا يمكن اختزاله في رقم. شخص يحقق راتبًا مرتفعًا لكنه يدفع ثمنه من صحته ووقته وعلاقاته، وآخر دخله أقل لكنه يملك وقتًا لأسرته، وهدوءًا نفسيًا، وقدرة على الاستمتاع بما لديه.

المعادلة الحقيقية ليست: كم تملك؟

بل: ماذا يبقى لك مما تملك؟ وماذا تدفع في المقابل؟

والأمر نفسه ينطبق على الزواج، والعمل، والتعليم، وحتى المكانة الاجتماعية.

نقع كثيرًا في فخ المقارنة لأننا نقارن الأرقام الظاهرة في حياة الآخرين بما نعرفه نحن عن تفاصيل حياتنا.

نرى راتبه ولا نرى التزاماته، نرى بيته ولا نرى أقساطه، نرى نجاحه ولا نرى ثمنه، نرى صورته ولا نرى معاركه.

ثم نحكم على حياتنا بأنها أقل.

وهذه ليست مقارنة عادلة.

من الأفراد إلى الدول

إذا انتقلنا من الإنسان إلى الدول، سنكتشف المفارقة نفسها.

هناك مؤشرات تقيس حجم الاقتصاد، والدخل، والديون، والنمو، والقوة وغيرها. وهي مؤشرات مهمة لفهم واقع الدول، لكن لا يمكن اختزال حياة الشعوب في رقم واحد.

قد تبدو دولة قوية وفق بعض المؤشرات، بينما تواجه أعباءً اقتصادية أو صراعات أو أزمات متراكمة. وفي المقابل، قد تكون دولة أقل تصنيفًا وفق بعض المؤشرات، لكنها تعمل على بناء قدراتها، وتواجه تحدياتها، وتحافظ على قدر من الاستقرار والأمان الذي لا يمكن اختزاله في جدول أو ترتيب.

وهنا يجب أن ننتبه:

الأمان ليس رقمًا.

والطمأنينة ليست نسبة مئوية.

والاستقرار الذي يسمح للإنسان أن ينام آمنًا ويعود إلى أسرته ليس مجرد مؤشر اقتصادي.

هذا لا يعني أن الأرقام غير مهمة، ولا أن الفقر أو الديون أو ضعف المؤشرات يمكن تجاهلها؛ بل يعني أن الرقم يحتاج إلى سياق حتى نفهم دلالته الحقيقية.

الرضا ليس استسلامًا

والحديث عن الرضا لا يعني أن يتوقف الإنسان عن الطموح.

الرضا أن تعرف قيمة ما بين يديك، بينما تسعى لتحسين ما تستطيع تغييره.

أن تطمح إلى راتب أكبر دون أن تجعل راتب غيرك مقياسًا لقيمتك.

أن تسعى إلى نجاح أكبر دون أن تعتبر نجاح الآخرين دليلًا على فشلك.

أن تنظر إلى رزقك باعتباره مساحتك الخاصة من الحياة، لا نسخة ناقصة من حياة شخص آخر.

فالأرزاق لا تأتي في صورة واحدة، والاختبارات لا توزع بالتساوي، وما يبدو مكسبًا لشخص قد يكون معه ثمن لا نراه.

لذلك ربما نحتاج أن نتوقف قليلًا عن سؤال:

«كم عنده؟»

ونسأل بدلًا منه:

«ماذا يفعل بما عنده؟ وكيف يعيش بما عنده؟»

فالإنسان الذي يقضي عمره في عدّ أرقام الآخرين، قد يكتشف متأخرًا أنه خسر الرقم الأهم:

رقم حياته هو… والوقت الذي لم يعشه لأنه كان منشغلًا بمقارنة حياته بحياة غيره.

الأرقام مهمة حين تساعدنا على الفهم والتخطيط واتخاذ القرار.

لكنها تصبح خطرة حين تتحول إلى مقياس وحيد للنجاح، والسعادة، والقيمة، والأمان.

فليس كل رقم كبير مكسبًا، وليس كل رقم صغير خسارة.

وفي النهاية…

قد تتساوى الأرقام، وتختلف الحياة.

وقد تختلف الأرقام، وتتقارب الحياة.

لأن ما يصنع قيمة الرزق ليس رقمه فقط… بل ما يمنحه لصاحبه من حياة.

زر الذهاب إلى الأعلى