صدى مصرمقالاتمنوعات

عندما يدخل الـ«أنا» إلى غرفة القرار. بقلم : أ/ هبة شاهين

عندما يدخل الـ«أنا» إلى غرفة القرار

 

بقلم : أ/ هبة شاهين -الإسكندرية

هناك فرق كبير بين أن يكون الإنسان صاحب قرار… وأن يصبح أسيرًا لقراره.

فالمسؤول أو المدير أو القائد الفني لا يدخل إلى مكتبه تاركًا حياته الشخصية عند الباب؛ يأتي معه ما يمر به من ضغوط، ومخاوف، وخلافات، وإرهاق، وأحيانًا جراح شخصية لا يراها أحد. والمشكلة تبدأ عندما تنتقل هذه الضغوط من المساحة الشخصية إلى طريقة صناعة القرار.

فالقرار المهني لا يصدر دائمًا من عقل هادئ؛ وقد يتأثر تحت الضغط بطريقة رؤية صاحبه للمخاطر، وبقدرته على الاستماع، ومراجعة افتراضاته، وتحمل الاختلاف. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن ضغوط العمل والبيئات غير الصحية يمكن أن تؤثر في الصحة النفسية والأداء، بينما تؤكد الإرشادات الحديثة أهمية التدخلات التنظيمية والتدريب والدعم، لا مجرد التعامل مع الأمر باعتباره مشكلة شخصية للعامل.

لكن هناك حقيقة أخرى أكثر حساسية:
ليست كل أزمة نفسية سببًا لعزل صاحبها أو إبعاده.
هذه فكرة تحتاج إلى تصحيح؛ فالمؤسسات الناضجة لا يفترض أن تتعامل مع الحالة النفسية باعتبارها وصمة تستوجب الإقصاء، وإنما تقيّم الأداء، والقدرة على تحمل المسؤولية، وسلامة القرار، وتوفر الدعم المناسب. بل إن منظمة الصحة العالمية تدعو إلى بيئات عمل عادلة وشاملة، ودعم الأشخاص الذين يمرون بمشكلات نفسية وتمكينهم من المشاركة في العمل بصورة كاملة ومنصفة.

إذن، القضية ليست:
«هل هذا المسؤول يمر بظرف نفسي؟»
بل:
«هل أصبحت ظروفه تؤثر فعليًا في قراراته وفي مصلحة المؤسسة؟»

وهنا يظهر خطر آخر لا يقل أهمية عن الضغط النفسي: الأنا.
حين ينجح المسؤول طويلًا، قد يبدأ في الخلط بين نجاح المؤسسة ونجاحه الشخصي، وبين هيبة المنصب وهيبته هو.
فيصبح التراجع عن قرار خاطئ بالنسبة إليه اعترافًا بالضعف، والاستماع إلى رأي مخالف انتقاصًا من سلطته، والاعتذار هزيمة.

ومن هنا تبدأ القرارات في الانحراف.
ليس لأن صاحبها لا يفهم… وإنما لأنه لم يعد يسأل:
«ما القرار الذي يخدم المصلحة؟»
بل يسأل، أحيانًا دون أن يشعر:
«كيف أظل أنا صاحب الكلمة الأخيرة؟»
وهنا تتحول القيادة من مسؤولية إلى إثبات للذات.
والأخطر أن القرار الذي يصدر تحت تأثير الأنا قد ينجح في حماية صورة المسؤول مؤقتًا، لكنه قد يحمّل المؤسسة ثمنًا طويل الأمد.

ولهذا تعتمد الحوكمة الرشيدة على المراجعة والمساءلة، وعلى وجود آليات تجعل القرارات الكبرى خاضعة للنقاش والتقييم، لا لإرادة شخص واحد. وتوضح أدبيات حوكمة الشركات الحديثة أن قرارات القيادة والتعاقب الوظيفي تحتاج إلى قدر من الاستقلالية والحكم طويل المدى، وأن تضارب المصالح والضغوط الشخصية قد يعقد هذه القرارات.

لكن المفارقة تبدأ بعد مغادرة المنصب
من أكثر المشاهد غرابة في الحياة المهنية أن يغادر مسؤول منصبه، ثم يبدأ في انتقاد الشخص الذي جاء بعده.
قد يقول إن الإدارة الجديدة لا تفهم، وإن القرارات أصبحت خاطئة، وإن الوضع لم يعد كما كان.
وهنا يجب أن نطرح سؤالًا غير مريح:
هل تغيرت المصلحة العامة فعلًا… أم تغير الشخص الذي يجلس على الكرسي؟
والأكثر أهمية:
إذا كان المسؤول السابق ينتقد قرارًا اتخذه خلفه، فهل يملك الشجاعة ليسأل نفسه:
هل كنت سأقبل هذا النقد عندما كنت في موقع المسؤولية؟
فقد يكون نقده صحيحًا بالفعل، وقد يكون القرار الجديد خاطئًا، لكن هناك احتمالًا آخر يجب ألا نهرب منه:

أن يكون جزء من اعتراضنا نابعًا من فقدان الدور، لا من حماية المصلحة.
وهنا تظهر أصعب مهارة في القيادة:
أن تستطيع أن تفصل بين «أنا» و«المصلحة».
أن تقول:
«هذا القرار ليس قراري… لكنه قد يكون صحيحًا.»
وأن تقول:
«أنا أخطأت.»
وأن تقبل أن يأتي شخص بعدك فيغيّر ما صنعته، لا لأنه أفضل منك بالضرورة، ولكن لأن الظروف تغيرت والمعلومات تغيرت.
المنصب مؤقت، أما أثر القرار فقد يبقى طويلًا.

ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال عند صناعة القرار:
من سيُحسب له النجاح؟
ولا:
من سيُلام إذا فشل؟
بل:
ما الذي يخدم الناس والمؤسسة والعمل على المدى البعيد؟
هذه النقلة البسيطة من «ماذا سيقولون عني؟» إلى «ماذا سيحدث بسبب قراري؟» قد تغيّر طريقة إدارة مؤسسات كاملة.

فالقيادة الحقيقية ليست أن تفرض رأيك، وإنما أن تستطيع التخلي عن رأيك عندما تظهر معلومات أفضل.
وليست القوة أن لا تتراجع أبدًا؛
القوة أن تعرف متى يكون التراجع تصحيحًا لا هزيمة.
وليست الحكمة أن تحافظ على هيبتك أمام الجميع؛
الحكمة أن تحافظ على المصلحة حتى لو لم يُذكر اسمك معها.

ونستخلص من ذلك، قد يترك المسؤول كرسيه، وقد يأتي بعده مسؤول آخر، وتتغير الوجوه والمواقع.
لكن يبقى السؤال الذي يكشف معدن القيادة:
عندما يتعارض كبريائي مع الصالح العام… أيهما أختار؟
هنا تحديدًا تنتهي سلطة الـ«أنا»…
وتبدأ المسؤولية.

زر الذهاب إلى الأعلى