أدب وثقافةقصص قصيرة

خبز ودم.. قصة قصيرة بقلم أبو البراء نصر.

خبز ودم..

 

بقلم أبو البراء نصر.

كانت الشاحنات تظهر دائمًا من بعيد كأنها سراب، لا أحد يصدقها حتى تقترب فعلًا.

في غزة، صار الناس يتعلمون ألا يفرحوا مبكرًا، فالفرح هناك يشبه الزجاج، يكفيه صوتٌ واحد ليتحطم.

ومنذ عامين، لم تعرف المدينة الكهرباء، الليل طويل وثقيل، والوجوه تُرى بضوء الهواتف القليل أو بنارٍ صغيرة تُشعل من بقايا خشب الأبواب.

حتى الظلال أصبحت جائعة، ذلك الصباح، انتشر الخبر كالنار: “الشاحنات دخلت”.

لم يحتاج الناس للتأكد. الأقدام وحدها كانت تعرف الطريق. ركض الرجال، تبعتهم النساء، والأطفال التصقوا بالحشود كأنهم يخافون أن تبتلعهم المجاعة إذا بقوا وحدهم.

لم يعد أحد ينظر في وجه الآخر طويلًا.الجوع يغيّر الناس. يجعل العيون حادة، متحفزة، كأن الجميع يعتذر بصمت عن شيء لا يستطيع منعه.

كان “سامر”يركض وهو يضع يده على بطنه الفارغ منذ يومين. لم يكن يفكر بأحد، حتى أمه المريضة تركها خلفه تتمدد قرب الخيمة. فكر فقط بكيس طحين. شيء واحد فقط. كيس طحين.

وحين توقفت الشاحنات، انفجرت الفوضى. الأيدي ارتفعت دفعةً واحدة. الصراخ اختلط بالدعاء والشتائم والبكاء.

رجل دفع عجوزًا ليسقط أرضًا. شاب خطف علبة طعام من طفل وهرب. امرأة تشد كيس أرز من امرأة أخرى حتى تمزق الكيس وتناثر الأرز على التراب، فركع الاثنتان يلتقطانه بحركة مذعورة كأنهما تجمعان الذهب. في المجاعة، تختفي المسافات بين الإنسان وغريزته.

ثم جاء الرصاص. لا أحد عرف من أين كانت أول طلقة. لكن الجميع عرفوا ماذا تعني.

تفرق الناس كأسراب طيور مذعورة، ثم عاد بعضهم نحو الطعام رغم إطلاق النار.

كان المشهد مرعبًا حدّ العبث:

أناس يركضون من الموت…إلى الموت. سقط شاب قرب إحدى الشاحنات، وبقيت يده متشبثة بكيس دقيق حتى بعد أن توقف عن الحركة. ورجل آخر ظل يصرخ: “اسحبوه! اسحبوه!”

لكن لا أحد اقترب. الخوف صار أكبر من الرحمة أحيانًا. في الليل،

جلس سامر قرب أمه. لم ينجح في إحضار شيء.

قالت له بصوت متعب: “هل أكلت؟”

هز رأسه كاذبًا. كان يعرف أنها كاذبة أيضًا حين قالت بعدها:

“أنا لست جائعة.”

الصمت بينهما كان أصدق من الكلام. في الحروب العادية يخاف الناس من الموت، أما في المجاعة… فيخافون من الغد أيضًا.

ومع ذلك، بقيت بعض المواقف الصغيرة تقاوم هذا الخراب. عجوز وجد بعض الطحين قرب الطريق، فنظر حوله طويلًا قبل أن يقسمه مع طفل لا يعرفه.

امرأة أخفت نصف كيس العدس عن أبنائها لتُعطي جارتها التي فقدت زوجها. وشاب عاد من الشاحنات بكيس سكر صغير، فقضى الليل يوزع ملاعق قليلة على الأطفال الذين نسوا طعم الشاي.

كانت الإنسانية تظهر أحيانًا… متعبة، خائفة، ومرتبكة، لكنها لم تمت تمامًا. وفي آخر الليل، بينما كان الجوع يوقظ البطون النائمة، سأل طفل أباه: بابا…لماذا يتغير الناس هكذا عندما تجوع؟”

أشعل الأب قطعة كرتون صغيرة لينظر إلى وجه ابنه، ثم قال: “لأن الجوع يا بني…ليس وجعًا في البطن فقط. الجوع وحش، إذا طال بقاؤه يأكل شيئًا من الروح أيضًا.”

ثم سكت الأب طويلًا، بينما كانت أصوات الطائرات تعبر السماء كأن الليل نفسه مراقَب.

نظر إلى ابنه وقال بصوتٍ مكسور: “لا تظن أن الناس وُلدوا هكذا… لا أحد يولد وهو يركض فوق الجثث من أجل كيس طحين.”

وأشار بيده نحو الخارج، نحو الظلام الممتد والخيام الباردة والجوع الذي ينهش المدينة ببطء. “هناك من صنع هذا كله. من يملك الطائرات والرصاص، ومن يضغط الزناد ثم يشاهد نشرات الأخبار كأننا أرقام.

وهناك عالم كامل يجلس خلف الشاشات، يرى الأطفال يركضون خلف الشاحنات كما تركض الكائنات المذعورة، ثم يغيّر القناة ويكمل عشاءه.”

ابتلع الطفل خوفه وسأل بصوت خافت: “هل الجوع يغيّر البشر لهذه الدرجة؟”

أجاب الأب: “لا… الذي يغيّر البشر حقًا هو أن يُتركوا وحدهم داخل الجوع.”

ثم نظر بعيدًا، حيث كانت شاحنة مساعدات عالقة وسط الفوضى، والناس يحيطون بها بوجوه شاحبة وعيون زائغة، كأنهم لم يعودوا يعرفون أنفسهم.

وقال: “حين تحاصر الإنسان طويلًا، وتمنعه من الخبز والماء والأمان، وتجعله يرى الموت كل يوم… فأنت لا تقتله فقط، أنت تحاول أن تنزع منه إنسانيته قطعةً قطعة.”

وساد الصمت. صمت ثقيل،كأنه اتهام موجّه إلى العالم كله.

 

زر الذهاب إلى الأعلى