مقالاتمنوعات

ثياب الاقتصاد… بعيون مصرية. بقلم: حسين عبيد

ثياب الاقتصاد… بعيون مصرية

السيسي والاستثمار…

حين تصبح البيئة التشريعية بوابة لرؤوس الأموال

 

بقلم: حسين عبيد

كاتب صحفي وباحث قانوني واقتصادي

في الاقتصاد، هناك أشياء لا تُرى بالعين، لكنها قد تكون أهم من المصانع والمناجم ورؤوس الأموال نفسها… إنها الثقة.

الثقة في القانون، والثقة في المؤسسات، والثقة في قدرة الدولة على حماية الاستثمار، والثقة في أن القواعد التي يبدأ المستثمر على أساسها مشروعه اليوم لن تتغير بصورة تربك حساباته غدًا.

ومن هنا يمكن قراءة حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر التعدين، عن التزام الدولة المصرية بخلق بيئة استثمارية وتشريعية تساعد على جذب المزيد من الاستثمارات في قطاع التعدين.

فالرسالة لا تتعلق بالتعدين وحده، وإنما ترتبط بسؤال اقتصادي أكبر: كيف نحول ما تمتلكه مصر من ثروات وإمكانات إلى استثمارات وإنتاج وقيمة مضافة؟

مصر تمتلك موارد وإمكانات كبيرة، لكن امتلاك الثروة لا يعني بالضرورة تحقيق أقصى استفادة اقتصادية منها. والاختبار الحقيقي يبدأ عندما ننجح في تحويل هذه الموارد إلى مشروعات إنتاجية قادرة على خلق فرص العمل وزيادة الإنتاج ودعم الصادرات.

ويأتي قطاع التعدين في مقدمة القطاعات التي يمكن أن تحمل فرصًا استثمارية مهمة، ليس فقط بسبب ما تمتلكه مصر من ثروات معدنية، وإنما لأن التعدين يمكن أن يكون نقطة البداية لسلسلة صناعات مرتبطة بالاستخراج والتصنيع والنقل والخدمات والتصدير.

وهنا يجب أن نتوقف عند سؤال مهم:

هل نريد أن نستخرج الثروة فقط، أم نريد أن نصنع منها قيمة؟

فالثروة التي تخرج من باطن الأرض لا ينبغي أن تخرج معها القيمة الاقتصادية.

ليس الهدف أن نستخرج الخام ونبيعه فقط، وإنما أن نعمل على زيادة عمليات التصنيع داخل مصر، وتحويل الموارد المعدنية إلى منتجات ذات قيمة أعلى، بما يخلق صناعات جديدة ويزيد فرص العمل ويعظم العائد الاقتصادي.

وهنا يأتي دور الاستثمار.

المستثمر عندما يبحث عن فرصة في مصر لا ينظر فقط إلى حجم الثروة الموجودة، وإنما ينظر إلى البيئة المحيطة بالمشروع بالكامل.

هل القانون واضح؟

هل الإجراءات سهلة؟

هل التراخيص تستغرق وقتًا مناسبًا؟

هل القواعد مستقرة؟

هل هناك جهة واضحة للتعامل معها؟

وكيف تتم تسوية المنازعات إذا حدث خلاف؟

هذه الأسئلة قد تكون في بعض الأحيان حاسمة في قرار الاستثمار.

لذلك فإن الإصلاح التشريعي ليس رفاهية اقتصادية، وإنما أحد مفاتيح جذب الاستثمار.

والتشريع الاقتصادي الناجح ليس بالضرورة هو الأكثر تعقيدًا، وإنما هو الذي يحقق التوازن بين حماية المصلحة العامة وضمان حقوق المستثمر وتوفير بيئة واضحة ومستقرة للعمل.

الدولة تحتاج إلى الاستثمار، والمستثمر يحتاج إلى الدولة، والمواطن هو المستفيد النهائي عندما يتحول الاستثمار إلى إنتاج وفرص عمل ودخل وخدمات أفضل.

لكن البيئة الاستثمارية لا تُبنى بالقوانين وحدها.

فقد يكون النص التشريعي جيدًا، لكن كثرة الإجراءات أو تعدد الجهات أو بطء اتخاذ القرار قد تقلل من أثره.

ولهذا فإن تحسين مناخ الاستثمار يحتاج إلى مسارين متوازيين: تطوير التشريعات من ناحية، ورفع كفاءة الإدارة وتبسيط الإجراءات من ناحية أخرى.

أما القضية الأخرى التي تستحق التأمل فهي العلاقة بين الاستثمار والاقتراض.

الاقتراض ليس خطأ في ذاته، فهو أداة تستخدمها الدول لتمويل احتياجاتها ومشروعاتها، لكن التحدي يظهر عندما يصبح الاعتماد على الدين متكررًا دون زيادة موازية في الإنتاج والإيرادات.

وهنا يمكن للاستثمار المباشر أن يمثل أحد مصادر التمويل المهمة للاقتصاد، خصوصًا عندما يتجه إلى مشروعات إنتاجية حقيقية.

فالاستثمار لا يأتي برأس المال فقط، وإنما يمكن أن يأتي معه التكنولوجيا والخبرة وفرص العمل والإدارة الحديثة والأسواق التصديرية.

وبالتالي فإن الاستثمار المنتج يمكن أن يضيف إلى الاقتصاد قدرة إنتاجية جديدة، بدلًا من أن يكون مجرد تدفق مالي مؤقت.

وفي قطاع التعدين تحديدًا، تبدو الفرصة كبيرة إذا نجحنا في الانتقال من اقتصاد استخراج الموارد إلى اقتصاد تصنيع الموارد.

فالمعدن الذي يخرج من الأرض يمكن أن يكون بداية لصناعة، وليس نهاية لعملية اقتصادية.

وهنا يصبح التشريع جزءًا من عملية التنمية وليس مجرد إطار قانوني لها.

وعندما نتحدث عن بيئة استثمارية جاذبة، فإننا نتحدث عن منظومة متكاملة: قانون واضح، وإجراءات ميسرة، وإدارة كفؤة، وبنية أساسية، وتكنولوجيا، وعمالة مدربة، واستقرار في السياسات الاقتصادية.

هذه العناصر عندما تعمل معًا يمكن أن تحول الفرصة إلى مشروع، والمشروع إلى إنتاج، والإنتاج إلى نمو.

وفي النهاية، فإن حديث الرئيس السيسي عن خلق بيئة استثمارية وتشريعية جاذبة يفتح الباب أمام سؤال أكبر من قطاع التعدين نفسه:

هل نستطيع أن نجعل القانون جسرًا يعبر عليه رأس المال إلى الإنتاج؟

إذا نجحنا في ذلك، فلن تكون الثروات المصرية مجرد أرقام في التقارير أو خرائط جيولوجية، وإنما ستتحول إلى مشروعات حقيقية، وصناعة، وفرص عمل، وصادرات، وقيمة مضافة.

فمصر لا تحتاج فقط إلى أن تبحث عن ثرواتها، بل تحتاج إلى أن تعرف كيف تستثمرها.

ولا تحتاج فقط إلى جذب رؤوس الأموال، بل تحتاج إلى توفير البيئة التي تجعل هذه الأموال تتحول إلى إنتاج مستدام.

فالثروة بلا استثمار فرصة ضائعة، والاستثمار بلا تشريع واضح بيئة محفوفة بالمخاطر، أما اجتماع الثروة والتشريع والاستثمار والإنتاج، فهو الطريق إلى اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

وهذه هي ثياب الاقتصاد… حين نراها بعيون مصرية.

زر الذهاب إلى الأعلى