الذكاء الاصطناعي ليس طاعونا…
جهلُنا به هو الكارثة
بقلم / منير راجي
أعتقد أن من ينظر إلى الذكاء الاصطناعي من زاوية الخوف وحدها، يضع القارئ أمام صورة كارثية للآلة والفيروس والموت ونهاية الحلول الأرضية، وكأن الذكاء الاصطناعي اختُرع لكي يقضي على الإنسان!
المشكلة هنا ليست في التحذير من المخاطر؛ فالتحذير مطلوب، والنقاش حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وسلامته وطرق استخدامه نقاش ضروري. المشكلة تبدأ عندما نختزل هذه التكنولوجيا الهائلة في سيناريوهات الفناء، وننسى أنها أصبحت واحدة من أهم أدوات البحث العلمي والطب والتعليم والهندسة والاقتصاد والاكتشاف.
والأغرب أن الاستشهاد ببيل غيتس لا يخدم هذه الرؤية كما قد يبدو. غيتس نفسه لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه ( طاعونا )؛ بل يقول إن مخاطره حقيقية لكنها قابلة للإدارة، وإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون قوة للخير إذا أُحسن استخدامه. بل إنه يتحدث عن إمكاناته في اكتشاف اللقاحات والأدوية، وتحسين التعليم والصحة والزراعة والطاقة.
ثم هناك علماء وباحثون كبار في قلب صناعة الذكاء الاصطناعي لا يتحدثون عن ( نهاية الإنسان )، وإنما عن توسيع قدرات الإنسان.
ديميس هاسابيس، أحد أبرز علماء الذكاء الاصطناعي والرئيس التنفيذي لـ Google DeepMind، يقول إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون من أكثر التقنيات أهمية وفائدة في تاريخ البشرية، وأنه قادر على دفع العلم وتحسين حياة مليارات البشر.
وليس هذا مجرد تفاؤل نظري. مشروع AlphaFold، الذي ارتبط بهاسابيس وجون جامبر، استخدم الذكاء الاصطناعي للتنبؤ ببنية البروتينات، وأسهم في فتح مجالات جديدة للبحث البيولوجي واكتشاف الأدوية. وقد مُنح هاسابيس وجامبر جائزة نوبل في الكيمياء سنة 2024 عن هذا العمل إلى جانب ديفيد بيكر.
أما فاي-فاي لي، إحدى أبرز عالمات الذكاء الاصطناعي ومؤسسة معهد Stanford HAI، فلا ترى المستقبل في استبدال الإنسان بالآلة، بل في ذكاء اصطناعي متمحور حول الإنسان يعزز قدراته في الطب والتعليم والاكتشاف العلمي، مع الحفاظ على دور الإنسان ووكالته.
وهنا يجب أن ننتبه إلى نقطة أساسية:
الذكاء الاصطناعي ليس قدرا أخلاقيا مستقلا عن الإنسان؛ إنه أداة، وقيمة الأداة تتحدد بطريقة تصميمها واستخدامها وتنظيمها.
السيارة يمكن أن تنقذ إنسانا ويمكن أن تقتل إنسانا، والطاقة النووية يمكن أن تُستخدم في الطب ويمكن أن تُستخدم في الحرب، والإنترنت يمكن أن ينشر المعرفة ويمكن أن ينشر التضليل. فهل نرفض السيارة والطاقة والإنترنت لأن لها مخاطر؟ أم نتعلم كيف نستخدمها ونضع القوانين والضوابط التي تحد من إساءة استخدامها؟
وهذا هو جوهر المسألة مع الذكاء الاصطناعي.
نحن أمام تحول علمي وحضاري كبير، وليس أمام ( طاعون ) جديد كما يعتقد البعض ممن لا يملكون دراسة معرفية علمية تؤهلهم إلى الخوض في مواضيع علمية بحتة .
بل إن المشكلة الحقيقية ليست أن الذكاء الاصطناعي سيتقدم، وإنما أن الإنسان قد يتأخر عن فهمه.
ومن يريد أن ينتقد الذكاء الاصطناعي، فليكن نقده علميا: ليتحدث عن الخصوصية، والتحيز الخوارزمي، والوظائف، والأمن السيبراني، والتضليل، والأسلحة الذاتية، وتركيز القوة التقنية… فهذه قضايا حقيقية يناقشها كبار الباحثين أنفسهم.
أما أن نضع الذكاء الاصطناعي كله في خانة ( الدمار ) ثم نستحضر الطاعون والفيروس والموت ونهاية الحلول الأرضية، فذلك لا يصنع نقدا علميا للتكنولوجيا، وإنما يصنع صورة مخيفة عنها.
العالم لا يتقدم بالخوف من المعرفة، بل بفهمها.
ولذلك أقول:
ليس المطلوب أن نخاف من الذكاء الاصطناعي، ولا أن نقدسه؛ المطلوب أن نفهمه، وأن نشارك في صناعة مستقبله.
فالمستقبل لن يكون لمن يرفض الذكاء الاصطناعي، ولا لمن يستسلم له، وإنما لمن يفهمه ويعرف كيف يجعل منه أداة في خدمة الإنسان.
والجهل بالذكاء الاصطناعي لا يحمي الإنسان منه؛ بل يجعله أكثر عجزا أمام عالم يتغير بسرعة.
فالذكاء الاصطناعي ليس ( ذكاءً مدمّرا )… وإنما جهلُنا به قد يكون كذلك .
بقلم / منير راجي
( وهران/ الجزائر )








