أدب وثقافة

عَيَّرتني بالشيبِ وهو وقار… يا ليتها عيَّرتني بما هو عار

عَيَّرتني بالشيبِ وهو وقار… يا ليتها عيَّرتني بما هو عار

 

رأتني وقد غطّى الشيبُ هامتي ، فتوقّفت أمام تلك الخصلات البيضاء طويلاً ، وكأنها أكتشفت في وجهي تاريخاً لم تكن مستعدة لقراءته بعد …

ثم أرسلت إليّ رسالة تختصر كل دهشة النساء حين يفاجئهنّ الزمن ببياضٍ لم يكن في الحسبان .

قالت بحروفٍ تتمايل مثل نسمةٍ على وتر القلب:

«أحقّاً شِبتَ يا أحلى الشباب؟

وغزا البياضُ رأسَكَ في غيابي؟

وظنّ الناسُ أنّكَ صرتَ كهلاً،

بما ضيّعتَ من عُمرٍ عند بابي؟»

ثم تابعت ، وكأنها أرادت أن تجعل من الشيب إعترافاً جديداً بالحب :

«دعني أضمّ تلك الشيبات…

فكلُّ شعرةٍ بيضاء على رأسك

حكايةُ عشقٍ عشتَها من أجلي.

دعني أحدثهنّ عن شيخ الشباب،

عنك أنت…

يا من ، حتى لو بلغتَ قرناً من السنين ، تبقى عشرينيّاً على حسابي …»

أبتسمت …

ولم أغضب من سؤالها، فالمرأة حين تحبّ لا ترى العمر كما يراه الناس ، بل تراه بعين القلب .

قلت لها : يا سيدتي …

الشباب ليس ملامحَ لا بدّ أن تبقى كما كانت ، وليس شعراً أسودَ نخشى عليه من أول خيطٍ أبيض ، وليس وجهاً نضع أمامه المرآة كل صباح لنتأكد أن الزمن لم ينتصر بعد .

الشباب الحقيقي …

هو قلبٌ لا يعرف الهزيمة .

هو روحٌ ترفض أن تستسلم للسنين .

هو أن تظل قادراً على الحب ،

وعلى الحلم ،

وعلى الضحك من قلبك ،

وعلى أن تبدأ من جديد حتى بعد أن تعتقد أن كل البدايات أنتهت .

أما الشيب …

فأنا لا أخشاه .

بل أراه شهادةً صامتةً بأنني عبرتُ الكثير ولم أنكسر .

كل شعرةٍ بيضاء ليست إعلاناً عن نهاية الشباب ،

بل سطرٌ جديد في كتاب العمر .

بعضها جاء من تعب الأيام ،

وبعضها من خيباتٍ مرّت ،

وبعضها من مسؤولياتٍ حملناها بصمت ،

وربما بعضها الآخر …

من حبٍّ جعل القلب يعيش أكثر مما ينبغي .

فالشيب في حضرة الحب يصبح ورداً أبيض ، ويتحول من علامةٍ على مرور الزمن إلى تاجٍ من نور ، ومن خوفٍ من النهاية إلى وسامٍ من وقار .

يا سيدتي …

لا تنظري إلى البياض فوق رأسي وكأنك ترين رجلاً كبر .

أنظري إلى ما بقي في عينيه .

فالعينان لا تكذبان …

قد يتغيّر الوجه ،

وقد تنحني بعض تفاصيله أمام الزمن ،

وقد تتسلل التجاعيد بهدوء إلى أطراف الإبتسامة ،

لكن القلب الذي ما زال يعرف كيف يحبّ ،

لا تعنيه كل تلك الحسابات .

وكما يقول المثل الفرنسي:

” Avoir toujours le cœur vert et l’esprit jeune ”

أي أن نحتفظ دائماً بقلبٍ أخضر وروحٍ شابة .

وهذا ما أريده من العمر …

لا أن أقاومه ،

بل أن أعيش كل مرحلةٍ منه بكاملها .

لا أريد أن أخفي شيبي ، ولا أن أعتذر عن سنواتي ، ولا أن أعود إلى الوراء .

أريد أن أمضي إلى الأمام …

بشعرٍ أكثر بياضاً ، وقلبٍ أكثر نضجاً ، وروحٍ أكثر قدرةً على الحب .

سأبقى شباباً إلى الأبد ،

ما دام في قلبي نبضٌ يعرف إسمك ،

وما دامت روحي قادرةً على الحلم ،

وما زلت أستطيع أن أفرح بتفاصيل صغيرة لا يلتفت إليها أحد .

فالعمر يا حبيبتي لا يُقاس بعدد السنوات التي عشناها …

بل بعدد اللحظات التي شعرنا فيها أننا أحياء .

لا يُقاس بعدد أعياد الميلاد ،

بل بعدد المرات التي ضحكنا فيها من القلب .

لا يُقاس بعدد الشعيرات البيضاء ،

بل بعدد الأحلام التي ما زالت خضراء في أرواحنا .

فماذا يهم إن قال الناس : « لقد شاب …! »

ماذا يهم؟

لقد شاب الشعر …

لكن القلب لم يشخ .

كبرت السنوات ،

لكن الحلم لم يكبر .

تغيّرت ملامح الوجه ،

لكن ملامح الروح بقيت كما هي .

وإن كان الشيب قد أخذ شيئاً من سواد شعري ،

فقد منحني شيئاً أثمن :

منحني :

الوقار .

منحني خبرةً لا تُشترى ،

وذاكرةً مليئةً بالحكايات ،

وقدرةً أكبر على معرفة من يستحق أن يبقى ،

ومن كان وجوده مجرد محطة عابرة في قطار العمر .

لقد علّمتني السنوات أن الجمال ليس في أن تبقى شاباً إلى الأبد … بل في أن تكبر دون أن تفقد إنسانيتك .

أن يزداد عمرك ،

ولا ينقص دفء قلبك .

أن تكثر تجاعيد وجهك ،

ولا تقلّ إبتسامتك .

أن يثقل ظهرك قليلاً ،

لكن تبقى روحك قادرةً على حمل من تحب .

وأن ترى المرآة شعراً أبيض …

بينما ترى أنت فيها رجلاً عاش ، وأحب ، وتألم ، وضحك ، وسافر ، وحلم ، وما زال لديه الكثير ليقوله .

فيا من عيّرتني بالشيب …

تعالي وأقتربي …

لا تخافي من تلك الشعيرات البيضاء .

فهي ليست قبراً للشباب …

إنها رسائل صغيرة تركها الزمن على رأسي .

وكل واحدةٍ منها تقول :

لقد مررتُ من هنا … ولم أستسلم .

ولذلك …

إن كان لا بدّ لنا أن نكبر ، فلنكبر معاً .

وإن كان لا بدّ للشعر أن يبيض ، فليبيض ونحن نضحك .

وإن كان لا بدّ للسنين أن تمضي ، فلتجدنا في كل عامٍ أكثر حباً ، وأكثر إمتناناً ، وأكثر تصالحاً مع أنفسنا .

دعينا لا نخاف من الزمن …

بل نجعله شاهداً علينا .

نجعله يرى كيف يمكن لقلبين أن يكبرا معاً ،

دون أن يشيخ الحب بينهما .

فأجمل قصص الحب ليست تلك التي تبدأ في العشرين وتنتهي قبل أن يظهر أول خيطٍ أبيض …

بل تلك التي تصل إلى الشيب ،

ثم ينظر أحدهما إلى الآخر ويقول :

«ما زلتُ أراك كما رأيتك أول مرة…»

وهنا فقط … نفهم أن العمر لم يكن عدواً لنا .

كان مجرد طريقٍ طويل … قادنا إلى بعضنا .

فالشيب وقار …

والعمر حكاية …

والحب شبابٌ لا تنتهي صلاحيته .

وإن كان الشعر قد أعلن أستسلامه للزمن …

فإن القلب ما زال يعلن عصيانه .

وسأبقى ، ما دام في صدري نبض ،

عاشقاً للحياة ،

عاشقاً للحلم ،

وعاشقاً للحب …

فالسنوات تستطيع أن تغيّر ملامحنا …

لكنها لا تستطيع أن تمنع القلب من أن يقول :

أنا ما زلتُ هنا …

وما زلتُ أحب .

✦✦✦

بقلم المعز غَنِـي

كاتب وإعلامي من مدينة نابل… عاشق الترحال وروح الاكتشاف

 

زر الذهاب إلى الأعلى