مقالاتمنوعات

مدفع مائي… وملحمة نصر بقلم: حسين عبيد

مدفع مائي… وملحمة نصر

 

بقلم: حسين عبيد

كاتب صحفي وباحث قانوني واقتصادي

النصر لا يأتي صدفة، وإنما يأتي بالعمل والإخلاص والعلم والتخطيط والإرادة.

في عام 1967 تعرضت مصر لهزيمة عسكرية، واحتُلت شبه جزيرة سيناء، وأقامت إسرائيل على الضفة الشرقية لقناة السويس تحصينات وخطوطًا دفاعية عُرفت باسم خط بارليف، والذي أصبح واحدًا من أبرز التحديات التي واجهت القوات المصرية.

وترددت في ذلك الوقت روايات عن صعوبة اختراق هذا الخط، حتى قيل إن تحطيم الساتر الترابي يحتاج إلى قنبلة ذرية.

لكن المصري لا يعرف المستحيل.

بدأت حرب الاستنزاف، وكانت مرحلة مهمة لإعادة بناء القوات المسلحة المصرية واستعادة الثقة والقدرة على المواجهة. وشهدت تلك الفترة عمليات بطولية عديدة، من بينها تدمير الحفار الإسرائيلي، وغيرها من العمليات التي أكدت أن مصر لم تستسلم للهزيمة.

وفي الوقت نفسه، بدأت مرحلة جديدة من الإعداد للمعركة الكبرى؛ إعادة بناء الجيش، والتدريب المستمر، وتطوير التسليح، وإنشاء منظومة دفاع جوي لحماية سماء مصر من الغارات الإسرائيلية.

وكانت مأساة مدرسة بحر البقر عام 1970، التي أسفر قصفها عن مقتل وإصابة عدد من الأطفال، من الأحداث التي تركت جرحًا عميقًا في الذاكرة المصرية.

لكن مصر لم تتوقف عند الألم، وإنما حولت الألم إلى إرادة وإعداد.

سنوات من التدريب والتخطيط سبقت السادس من أكتوبر 1973، حتى جاءت ساعة العبور.

في السادس من أكتوبر، الموافق العاشر من رمضان، بدأت القوات المسلحة المصرية عبور قناة السويس، وواجهت واحدًا من أصعب التحديات: الساتر الترابي لخط بارليف.

وهنا جاء دور المياه.

استخدمت القوات المصرية مضخات وخراطيم المياه لفتح ثغرات في الساتر الترابي، بعد أن أثبتت التجارب والحسابات إمكانية استخدام المياه في إزالة الرمال وفتح ممرات تسمح بعبور القوات والمعدات.

وهكذا، أصبح الماء الذي يبدو بسيطًا في مواجهة الرمال، وسيلة لفتح الطريق أمام واحدة من أعظم عمليات العبور.

لم تكن الفكرة في قوة المياه وحدها، وإنما في العقل الذي فكر في استخدامها.

وهنا تكمن واحدة من أهم رسائل نصر أكتوبر: أن العلم عندما يقترن بالإرادة يمكن أن يحول المستحيل إلى ممكن، وأن التخطيط الدقيق قد يكون أقوى من القوة الغاشمة.

عبرت القوات المصرية قناة السويس، وفتحت الثغرات في الساتر الترابي، وبدأت عملية استرداد الأرض، لتدخل مصر مرحلة جديدة في تاريخها الحديث.

إن ملحمة أكتوبر لم تكن وليدة لحظة، وإنما كانت نتيجة سنوات من العمل والإعداد والتدريب والتخطيط والتضحيات.

ولهذا فإن المدفع المائي لم يكن مجرد وسيلة لفتح ثغرات في الرمال، بل أصبح رمزًا لعقلية مصرية رفضت الاستسلام لفكرة المستحيل.

ففي كل أكتوبر نتذكر أن النصر لا يصنعه السلاح وحده، وإنما يصنعه الإنسان الذي يعرف كيف يستخدم العلم، وكيف يحول الفكرة إلى عمل، والعمل إلى إنجاز.

مدفع مائي… وملحمة نصر، وحكاية وطن أثبت أن الإرادة والعلم قادران على فتح الطريق حتى وسط أصعب الرمال.

 

زر الذهاب إلى الأعلى