مقالاتمنوعات

بين الخطأ المتعثر… والأذى المتعمد

بين الخطأ المتعثر… والأذى المتعمد

 

بقلم: أ /هبة شاهين -الإسكندرية

قد نتسامح مع من أخطأ…
لكن هل نستطيع أن نتعامل بالطريقة نفسها مع من خطط للخطأ، وقصد الأذى، وانتظر اللحظة المناسبة لينفذه؟
هناك فرق بالغ بين إنسان أخطأ لأنه لم ينتبه،
وإنسان عرف أنه سيؤذيك… ثم اختار أن يفعل.
الأول قد يكون أسير لحظة غضب، أو ضعف، أو جهل بعواقب تصرفه.
أما الثاني، فالمشكلة ليست في النتيجة وحدها…
بل في النية التي سبقتها.
وهنا نحتاج أن نعيد فهم معنى التسامح.
فالتسامح لا يعني أن نمحو الفارق بين من تعثر في الطريق،
ومن اختار أن يدفعك إليه.
ولا يعني أن نساوي بين من جرحك دون قصد،
ومن درس نقاط ضعفك جيدًا ثم استخدمها ضدك.
فالخطأ يُعالَج…
أما الأذى المتعمد فيحتاج إلى حدود.

قد تسامح إنسانًا لأنه أخطأ،
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن تعيد إليه المكانة نفسها.
وقد تقبل اعتذاره،
لكن ليس من الحكمة أن تمنحه الأدوات نفسها التي استخدمها لإيذائك.
يمكن أن تقول:
“سامحتك… لكنني تعلمت.”
وهذه ليست قسوة.
بل واحدة من أكثر صور النضج.
لأن بعض الناس يخلطون بين التسامح والتنازل عن حقهم في حماية أنفسهم.
فيظنون أن الإنسان الطيب يجب أن يعطي فرصة بعد فرصة،
وأن وضع الحدود يعني الحقد،
وأن الابتعاد يعني عدم القدرة على المسامحة.

والحقيقة أن الأمر مختلف.
يمكن لقلبك أن يسامح…
وعقلك أن يتذكر.
يمكنك ألا تحمل كراهية لأحد…
وفي الوقت نفسه ألا تسمح له بالاقتراب منك بالطريقة نفسها.
وهناك سؤال أهم من: هل أسامحه؟
السؤال هو:
هل تغيّر؟
لأن الاعتذار وحده لا يكشف دائمًا حقيقة التغيير.
هناك من يعتذر لأنه ندم فعلًا،
وهناك من يعتذر لأنه فقد القدرة على تكرار ما فعله.
وهناك فرق كبير بين الاثنين.
التغيير الحقيقي يظهر في السلوك،
وفي تحمل المسؤولية،
وفي عدم تكرار الأذى،
وفي احترام الحدود الجديدة التي فرضتها التجربة.
لذلك…
لا تجعل طيبة قلبك سببًا في إلغاء بصيرتك.
ولا تجعل تجربة سيئة مع شخص واحد سببًا في أن تفقد ثقتك بالبشر جميعًا.

تعلم أن تفرق.
فرق بين من أخطأ فندم،
ومن أخطأ فبرر.
بين من جرحك ثم حاول إصلاح ما أفسده،
ومن جرحك ثم بحث عن طريقة أخرى ليكرر الجرح.
بين من كان ضعيفًا أمام لحظة،
ومن جعل إيذاءك قرارًا.
التسامح ليس أن تنسى…
التسامح الحقيقي قد يكون أن تتخلص من رغبتك في الانتقام،
لكن الحكمة هي ألا تتخلص معها من الدرس.
فبعض التجارب لا تأتي إلى حياتنا لكي تعلمنا كيف نكره…
بل لكي تعلمنا كيف نضع الحدود.
وأن نعرف أن حسن الظن قيمة،
لكن حسن التقدير ضرورة.
وأن الرحمة فضيلة،
لكن حماية النفس ليست قسوة.
وأن القلب يستطيع أن يقول:
“لا أحمل لك كراهية…”
بينما يقول العقل في الوقت نفسه:
“لكنني لن أضع نفسي في المكان نفسه مرة أخرى.”

وفي النهاية…
¤ليس مطلوبًا منك أن تتحول إلى شخص قاسٍ لأن أحدهم آذاك،
ولا أن تتحول إلى شخص ساذج حتى تثبت أنك متسامح.
كن رحيمًا… دون أن تكون مستباحًا.
¤سامح… دون أن تلغي وعيك.
¤اترك الانتقام… دون أن تترك حدودك.
لأن هناك فرقًا بالغًا بين إنسان أخطأ في حقك… وإنسان تعمّد أن يؤذيك.
¤والوعي الحقيقي يبدأ عندما نستطيع أن نرى هذا الفرق…
دون كراهية، ودون سذاجة.

زر الذهاب إلى الأعلى