مقالات

عندما يصبح العدو حليفًا: العرب في مرآة اليمين المتطرف

عندما يصبح العدو حليفًا: العرب في مرآة اليمين المتطرف

بقلم عبد المجيد عبوبي

صعود اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا لم يعد حدثًا بعيدًا عن العالم العربي، ولا قضية تُترك للمفكرين الغربيين وحدهم. إنه تحوّل عالمي يعيد طرح أسئلة الهوية والهجرة والدين والسيادة، ويضع العرب والمسلمين أمام موقع مزدوج: ضحايا محتملين لخطابه، ومرآة يقرأ من خلالها بعض المفكرين العرب أزمات الحداثة والليبرالية.

أسس فكرية قديمة بثوب جديد

يقوم اليمين المتطرف المعاصر على مزيج من القومية الإثنية، والشعبوية، والانعزالية، والنقد الحاد للتعددية الثقافية والليبرالية. فهو يقدّم «الأمة» أو «الشعب الأصيل» ككيان متجانس مهدد من الخارج، ويحوّل المهاجر والمسلم واللاجئ إلى رمز لفقدان الهوية والأمن والازدهار.

وتتلخص أركانه في:

تقديم الهوية العرقية أو الدينية أو الوطنية على المواطنة والحقوق الفردية.

معاداة الهجرة والإسلام، وتقديم المسلمين بوصفهم تهديدًا ثقافيًا وأمنيًا.

خطاب شعبوي يقوم على معادلة «الشعب الطاهر ضد النخب الفاسدة».

تمجيد القائد القوي وتقليص دور المؤسسات الديمقراطية والقضاء المستقل ووسائل الإعلام.

شعار «أولوية أبناء البلد» في العمل والسكن والرعاية، مع تحميل الأقليات مسؤولية الأزمات الاقتصادية.

لماذا صعد الآن؟

لم يصعد اليمين المتطرف بسبب الهجرة وحدها، وإن كانت الهجرة أكثر ما يستثمره خطابه. فالأزمة المالية العالمية، وتوسع التفاوت الاجتماعي، وتراجع أمان الطبقة الوسطى والعاملة، وضعف ثقة الناس بالأحزاب التقليدية، خلقت أرضًا خصبة لخطاب يبسّط الأسباب ويقدّم عدوًا واضحًا.

أضف إلى ذلك دور وسائل التواصل الاجتماعي، التي تسمح بتفكيك الحقائق وتحويل الخوف إلى هوية سياسية. كما منح نجاح تجربة ترامب تيارات مماثلة في أوروبا زخمًا وثقة متبادلة، وجعل شعارات القومية والانعزالية أقل حرجًا وأكثر حضورًا في الساحة العامة.

كيف يقرأ العرب صعوده؟

سيقرأ العرب هذا الصعود بقراءات متعارضة، وهذا هو جوهر المشكلة.

يرى البعض فيه تحذيرًا مباشرًا من خطر يهدد الجاليات العربية والمسلمة في أوروبا وأمريكا، وتهديدًا لقيم المساواة والحقوق. ويراه آخرون نتيجة فشل النخب الليبرالية في حماية الطبقات المتوسطة والشعبية من آثار العولمة والرأسمالية.

هناك أيضًا قراءة هويتية، تجد في نقد اليمين للتعددية الليبرالية أو «القيم الغربية» لغة قد تبدو مألوفة لبعض التيارات العربية المحافظة. لكن هذه القراءة تخفي مفارقة خطيرة: فاليمين الذي ينتقد الليبرالية غالبًا ما يكون معاديًا للعرب والمسلمين.

أما الأنظمة العربية، فقد تتعامل معه واقعيًا: إما كقوة معادية للهجرة واللاجئين، أو كشريك محتمل إذا تبادل معها مصالح أمنية واقتصادية. وهنا يظهر الفارق بين الموقف المبدئي والموقف العملي.

هل تتوافق فلسفته مع العرب؟

الإجابة المختصرة: لا تتوافق في جوهرها، لكنها قد تتقاطع معها جزئيًا.

هناك تشابه ظاهري في التشدد حول الهوية، والتحفظ الأخلاقي، ورفض التعددية الليبرالية، واستخدام خطاب «الشعب» ضد النخب. لكن التعارض جوهري: فاليمين المتطرف الأوروبي والأمريكي يبني هويته غالبًا على صورة «الغرب الأبيض المسيحي»، ويعتبر الإسلام والعروبة تهديدًا حضاريًا.

أما الهوية العربية فهي قومية ودينية ولغوية، وليست جزءًا من هذا المشروع. لذلك لا يحتاج العرب إلى استيراد العنصرية أو الإسلاموفوبيا، بل إلى نقد حقيقي للاستبداد والتفاوت والهيمنة الخارجية، من دون التحول إلى نسخة عربية من الشوفينية.

لماذا تسانده أمريكا وروسيا؟

هنا يجب التفريق بين الحالتين. فروسيا تدعم اليمين المتطرف في أوروبا بشكل أكثر وضوحًا ومنهجية، بينما أمريكا لا «تساعد» اليمين المتطرف كدولة واحدة بالمعنى نفسه، وإنما أصبحت اليمينية الشعبوية قوة مؤثرة داخل نظامها السياسي، خصوصًا مع تيار ترامب.

روسيا

تساند موسكو بعض أحزاب اليمين في أوروبا لأنها ترى فيها أداة لإضعاف الاتحاد الأوروبي، وتعميق الانقسامات الداخلية، وتمزيق العلاقة الأوروبية الأمريكية، وإنتاج شرعية خارجية لسياساتها.

وتتشابه روسيا مع هذه التيارات في تمجيد السيادة القومية، والقيم المحافظة، ورفض الليبرالية، وتقييد الهجرة باسم مكافحة «الراديكالية الإسلامية». لذلك يكون الدعم أيديولوجيًا وسياسيًا وإعلاميًا، وأحيانًا ماليًا وتنظيميًا.

أمريكا

اليمين المتطرف الأمريكي لا يحتاجه أحد من الخارج وحده؛ بل يستفيد من بيئة داخلية: غضب الطبقات المتضررة، وأزمة الهوية، والخوف من التغير الديموغرافي، والانقسام حول الهجرة والدين. وقد منح صعود ترامب هذه التيارات زخمًا وشرعية سياسية، محليًا ودوليًا.

أما العلاقة الأمريكية الروسية مع اليمين، فهي ليست تحالفًا أخلاقيًا، بل تقاطع مصالح: كل طرف يستثمر ضعف الليبرالية الغربية وتراجع الثقة في المؤسسات لتحقيق أهدافه.

الخلاصة

اليمين المتطرف لا يقدّم للعرب حليفًا، حتى عندما يبدو ناقدًا للليبرالية أو مناهضًا للحروب الأمريكية. فمشروعه يقوم على إقصاء العرب والمسلمين من صورة «الشعب» الأوروبي أو الأمريكي، وتحويلهم إلى عدو داخلي.

أما ما ينبغي أن يتعلمه العرب منه فهو ليس تقليد شوفينيته، بل فهم أسباب نجاحه: الأزمة الاقتصادية، وانهيار الثقة، وقوة خطاب الهوية. ثم بناء خطاب عربي عادل وديمقراطي يعالج هذه الأزمات من دون عنصرية أو استبداد.

زر الذهاب إلى الأعلى