كان بيحسبها بالساعة.. حكاية المشير الجمسي صاحب أشهر كشكول في تاريخ الحرب!
كتب / عبدالحق عبده
في تاريخ مصر العسكري أسماء كتير ارتبطت بالمعارك والانتصارات، لكن فيه أسماء تانية ارتبطت بحاجة مختلفة، بالتخطيط، والدقة، وقراءة الأرض، ومعرفة إمتى تتحرك وإمتى تستنى، ومن بين الأسماء دي ييجي المشير محمد عبد الغني الجمسي، واحد من أبرز القادة العسكريين المصريين، والرجل اللي ارتبط اسمه بحكاية شهيرة جدًا اسمها «كشكول الجمسي».
اتولد محمد عبد الغني الجمسي يوم 9 سبتمبر سنة 1921 في قرية البتانون بمحافظة المنوفية، وسط أسرة ميسورة الحال، وكان والده يعمل في التجارة ويمتلك مصانع للنسيج، وحصل الجمسي على تعليمه الأساسي قبل ما يدخل الكلية الحربية سنة 1938، ويتخرج منها ضابطًا في سلاح الفرسان والمدرعات سنة 1939.
لكن بداية حكايته الحقيقية كانت في الصحراء، لما انتقل للخدمة في سلاح الحدود، وقضى سنوات متنقلًا بين سيوة ومرسى مطروح والسلوم والواحات البحرية، وهناك اتعلم درس مهم جدًا، إن الأرض نفسها ممكن تكون جزء من المعركة، وإن القائد اللي يعرف الصحراء ويقرأ طبيعتها يقدر يفهم حركة القوات ويحسب خطواته بشكل مختلف.
وفي الفترة دي اقترب الجمسي من أجواء العمليات المرتبطة بتحركات القوات الألمانية والبريطانية في الصحراء الغربية، واكتسب خبرات ميدانية ساعدته بعد كده في فهم تكتيكات القتال المدرع، وهي الخبرات اللي هتفضل معاه طوال مشواره العسكري.
وبعد عودته إلى إدارة المدرعات، حصل على فرص للتدريب والدراسة خارج مصر، فذهب في بعثات عسكرية إلى الولايات المتحدة، ثم التحق بكلية القادة والأركان وتخرج فيها سنة 1951، وبدأ يتدرج في المناصب العسكرية، خطوة وراء خطوة، لحد ما أصبح واحدًا من الضباط أصحاب الخبرة الواسعة في المدرعات والتخطيط.
وفي العدوان الثلاثي سنة 1956، كان الجمسي برتبة مقدم وقائدًا للواء الخامس مدرعات في منطقة القناة، وتحركت قواته ناحية سيناء، قبل أن تصل إليه أوامر بالعودة إلى الإسماعيلية، وبعدها استمر صعوده داخل المؤسسة العسكرية، فتولى رئاسة أركان سلاح المدرعات، وقاد تشكيلات مدرعة، وسافر للاتحاد السوفيتي في بعثة عسكرية، ثم تولى قيادة مدرسة المدرعات.
وبعد كده دخل الجمسي بشكل أعمق في عالم التخطيط والعمليات، فعمل في مناصب مختلفة داخل هيئة التدريب وقيادة القوات البرية، والتحق بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، ثم تولى رئاسة شعبة عمليات القوات البرية، وبعد حرب 1967 انتقل للعمل في مواقع أكثر ارتباطًا بالمعلومات والاستطلاع والتخطيط.
وهنا بدأت تظهر واحدة من أهم نقاط القوة في شخصيته، إنه ماكانش بيتعامل مع الحرب باعتبارها مجرد شجاعة في الميدان، لكن باعتبارها علم وحسابات ومعلومات، وكل خطوة لازم يكون وراها دراسة.
وفي يناير سنة 1972، تولى الجمسي رئاسة هيئة عمليات القوات المسلحة، وبعدها بفترة قصيرة أصبح نائبًا لرئيس الأركان إلى جانب عمله في هيئة العمليات، ومن الموقع ده دخل في واحدة من أهم مراحل حياته، مرحلة الإعداد والتخطيط لحرب أكتوبر.
وكان من بين المهام الأساسية دراسة ظروف القتال، وحساب أنسب التوقيتات الممكنة، بالاشتراك مع ضباط التخطيط في هيئة العمليات، ومن هنا ظهرت حكاية «كشكول الجمسي»، وهو الكشكول الذي ارتبط بالدراسات الخاصة بتحديد التوقيت الأنسب للعمليات، بعد دراسة الظروف العسكرية للقوات المصرية والسورية والقوات الإسرائيلية.
والكشكول اللي كان في وقت من الأوقات مجرد أوراق وملاحظات عسكرية، أصبح بعد الحرب قطعة مرتبطة بذاكرة التاريخ، وهو موجود حاليًا ضمن مقتنيات المتحف الحربي بالقلعة.
وبعد حرب أكتوبر، استمر صعود الجمسي، فتولى رئاسة أركان حرب القوات المسلحة خلفًا للفريق سعد الشاذلي في ديسمبر 1973، ثم ترقى إلى رتبة الفريق، قبل أن يتولى منصب وزير الحربية عام 1974، ليكون آخر من حمل هذا اللقب قبل تغيير اسم الوزارة إلى وزارة الدفاع والإنتاج الحربي.
لكن واحدة من أكثر المواقف اللي ارتبطت باسم الجمسي حصلت بعيدًا عن ساحات القتال، على طاولة المفاوضات، لما شارك في المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي بعد الحرب، وهناك ظهر أسلوبه الصارم في التعامل، حتى ارتبطت به روايات عن مواقفه الحادة خلال المباحثات.
ومن المواقف التي ذُكرت عنه، أنه رفض خلال إحدى مراحل التفاوض مقترحات تتعلق بانسحاب أعداد كبيرة من القوات والدبابات المصرية من الضفة الشرقية لقناة السويس، وتمسك بالموقف المصري قبل أن يتواصل مع الرئيس أنور السادات بشأن الأمر.
وبعد وفاة المشير أحمد إسماعيل، تولى الجمسي القيادة العامة للقوات المسلحة، واستمر في مسيرته العسكرية، حتى انتهت خدمته بالقوات المسلحة عام 1978، ليصدر قرار بتعيينه مستشارًا عسكريًا لرئيس الجمهورية.
وفي سنة 1979 رُقي إلى رتبة المشير، وبعدها بعام أحيل إلى التقاعد بناءً على طلبه، لتنتهي رحلة عسكرية امتدت لما يقرب من أربعة عقود، حصل خلالها على العديد من الأوسمة والأنواط تقديرًا لخدمته للقوات المسلحة والدولة.
ومن بين محطات حياته أيضًا حضوره مع الرئيس السادات حفل إعادة افتتاح قناة السويس للملاحة البحرية سنة 1975، وهي لحظة ارتبطت بمرحلة جديدة بعد سنوات الحرب والصراع.
لكن يمكن أهم ما تركه الجمسي مش مجرد المناصب والألقاب، وإنما مدرسة كاملة في التفكير العسكري، تقوم على إن الحرب مش مجرد لحظة مواجهة، وإن القرار الكبير أحيانًا بيبدأ من ورقة، أو خريطة، أو دراسة طويلة، قبل ما يظهر على أرض المعركة.
وعشان كده فضل اسم المشير محمد عبد الغني الجمسي حاضرًا في الذاكرة العسكرية المصرية، مش بس باعتباره قائدًا وصل لأعلى الرتب، لكن باعتباره واحدًا من الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بالتخطيط والدقة، وبحكاية كشكول صغير أصبح بعد سنوات جزءًا من تاريخ عسكري كبير.








