الحِكْمَة… حِينَ يُصْبِحُ السُّؤَالُ بِدَايَةَ المَعْرِفَةِ
بقلم الأديبة / نجوى الكوفى
يَا رُوحُ، تَجَوَّلِي أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، فَمَا زَالَتْ سَاحَةُ الحِكْمَةِ فِي أَثِينَا تَحْمِلُ الكَثِيرَ. هُنَاكَ، حَيْثُ وُلِدَتِ الأَسْئِلَةُ، وَتَمَرَّدَ العَقْلُ عَلَى الأُسْطُورَةِ، أَدْرَكَ الإِنْسَانُ أَنَّ المَعْرِفَةَ لَيْسَتْ فِي كَثْرَةِ الإِجَابَاتِ، بَلْ فِي القُدْرَةِ عَلَى السُّؤَالِ.
أَتَذَكَّرُ سُقْرَاطَ وَهُوَ يَجُوبُ الأَسْوَاقَ، يُحْرِجُ النَّاسَ بِأَسْئِلَتِهِ، لَا لِيَمْنَحَهُمْ الحَقِيقَةَ، بَلْ لِيَجْعَلَهُمْ يُدْرِكُونَ حُدُودَ مَعْرِفَتِهِمْ. وَرُبَّمَا كَانَتْ حِكْمَتُهُ الأَجْمَلُ فِي اعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ.
أَحْيَانًا أَلْتَزِمُ الصَّمْتَ، وَأَتْرُكُ مِصْبَاحَ أَفْكَارِي يُضِيءُ فِي هُدُوءٍ؛ يَبْدَأُ الأَمْرُ غَامِضًا، ثُمَّ يَأْتِي السُّؤَالُ، يَلِيهِ التَّحْلِيلُ، حَتَّى تَوْلَدَ الحِكْمَةُ الَّتِي تُعَلِّمُكَ مَتَى تَتَحَدَّثُ، وَمَتَى يَكُونُ الصَّمْتُ أَبْلَغَ.
تَعَلَّمْتُ أَلَّا أَسْتَنْزِفَ نَفْسِي فِي التَّفَاصِيلِ، وَأَلَّا أَخُوضَ كُلَّ مَعْرَكَةٍ؛ فَلَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ أَنْ تُنْفِقَ طَاقَتَكَ عَلَى عَقْلٍ مُغْلَقٍ، أَوْ تُحَاوِلَ تَشْغِيلَ جِهَازٍ لَا يَعْمَلُ بِكُلِّ جَوَارِحِهِ.
وَانْظُرْ إِلَى ذَلِكَ العُصْفُورِ الذَّهَبِيِّ… يُغَرِّدُ حُرًّا فَوْقَ الشُّرْفَةِ، وَكَأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الحُرِّيَّةَ أَجْمَلُ مِنْ قَفَصٍ مُزَيَّنٍ بِكُلِّ الحُلِيِّ. فَمَا قِيمَةُ الجَمَالِ إِذَا سُلِبَتِ الرُّوحُ حُرِّيَّتَهَا؟
الحَيَاةُ أَيْضًا تُشْبِهُ أُرْجُوحَةً؛ تَرْفَعُنَا أَحْيَانًا، وَتَهْبِطُ بِنَا أَحْيَانًا أُخْرَى، لَكِنَّهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ تُعَلِّمُنَا شَيْئًا جَدِيدًا. لِذَلِكَ أَحْمِلُ حُزْمَتِي وَأُوَاصِلُ الرِّحْلَةَ، فَمَا زَالَ الاكْتِشَافُ يُغْوِينِي، وَمَا زَالَ البَحْثُ يُوقِظُ فِي دَاخِلِي أَسْئِلَةً جَدِيدَةً.
وَرُبَّمَا هَذِهِ هِيَ الحِكْمَةُ بِبَسَاطَةٍ: أَنْ تَعْرِفَ مَتَى تَبْحَثُ، وَمَتَى تَصْمُتُ، وَمَتَى تَتْرُكُ مَا لَا يَسْتَحِقُّ طَاقَتَكَ، وَأَنْ تَمْضِيَ فِي الحَيَاةِ بِقَلْبٍ حُرٍّ، وَعَقْلٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَنِ السُّؤَالِ.








